مهم إلى حدٍ ما

مرت سنة..

..Screen Shot 2019-01-02 at 1.14.18 PM

مرت سنة أخرى.. إنها السنة الأسرع على الإطلاق تماما كما نقول في كل سنة! والحقيقة بأن الذي يشعرنا بمرور سنة ما أسرع مما قبلها؛ هو أننا نمضي دون أن ندرك حقا قيمة هذا الوقت الذي بين أيدينا و حجم هذه الطاقة اللامحدودة التي نملكها.. نكبر يوما بعد يوم، نتغير، ننضج، نتحول، نلتقي بالغرباء ونبتعد عن الأقرباء، نفرح، نحزن، نتشاجر ونتصالح.. ولكننا بكل أسف لا نسامح ولا نتسامح.. تمر السنون، وفي كل عام نكتشف بأننا لا نعرف حقا كيف نسامح ونتسامح، ببساطة لأننا لا نتحرر من آلامنا و نبقى نكرر ذات الأخطاء.. ندور حولها بسبب التشبث العاطفي بكأس مخدوش.. أو بقطعة بالية.. أو بروحٍ قد خُطفت بشكل أو بآخر.. ببساطة لأننا ضعفاء وللغاية أمام فكرة الرحيل.. الرحيل بالكامل!

نحن عندما نرحل لا نعرف أن نرحل جميعا.. بل تبقى قلوبنا دائما في ضفة أخرى.. ويبقى شبح الذكرى يزاورنا مع رشة عطر، عند منعطف ما.. في مدينة هادئة أو أخرى صاخبة.. على قمة جبل بعيدا عن كل شيء إلا من أنفسنا المملوءة بكل شيء.. أو على حافة شاطئ يضج بالأمواج التي تبعث معها ذكرى، اثنتان أو أكثر تعبث بهذا القلب الذي لا يدري كيف اختزلت تلك الذكريات الطويلة في وقت قصير.. كالأمواج الممتدة حين تلتقي لتحدث ضجيجا في لحظات متقاربة..

أن تدخل أبواب عام جديد، وأنت لاتزال تفكر بأحداث وأحاديث ليلة البارحة على سبيل المثال، هو مثال جلي بأنك غير قادر كفاية على الرحيل أو واقعيا على التجاوز بكل بساطة.. هل لأننا بطبيعتنا ذوي حساسية عالية؟ أم لأن البشر أصبحوا أكثر حدة في تعاطيهم مع الغير؟ وما الغرض من هذا؟ حتى يكاد كل فرد يفاوض الآخر بأنه الأفضل والأرقى والمتقدم الذي لم يسبقه أحد في عصره المتخبط؟! وكأن هناك رابح وحيد في نهاية الطريق والكل يريد أن يصبح هذا الرابح! تختلف معادلات البشر والنتيجة وحيدة هي البقاء.. و أنت وحدك من يختار أن يبقى الآن فقط أو يبقى الآن وبعد الآن..

أكاد أكون مؤمنة بأن التجاوز قوة عظمى.. عندما تصبح قادرا على تجاوز المحنة مهما كان حجمها ولا أعني “التجاهل”، فأنت تستمد قوتك من الألم الذي تعيشه لتصل أخيرا إلى نقطة التجاوز.. قد يستغرق الأمر وقتا بحسب طبيعة المحنة وحجمها، ولا أحد على الإطلاق يستطيع تقديرها تماما غيرك أنت، لأنك أنت الوحيد الذي يملك الصورة الكاملة.. فتأمل بعقلك وقلبك جيدا!

عندما تتعرض لصدمة، لخيبة، لفشل.. ويحيطك الألم من كل جانب.. ليس ضعفا أن تبكي، ولو كان كذلك لما خلقت الدموع ولما وجد لها مجرى.. ليس خطأً أن تواجه آلامك، وتجابه أخطاءك بل وحتى أولئك الذين تسببوا بها لك.. بل دعوني أخبركم بأن المواجهة هي دواء الداء! المواجهة تختلف عن المهاجمة، تختلف عن البجاحة، المواجهة السليمة هي التي تستند على عاملين مهمين: الاحترام، وتقبل الآخر.. عندما تنعدم هذه العناصر فتأكد بأن المواجهة عديمة الفائدة وقد تصبح حربا وعداء..

ابدؤوا عامكم بشفافية.. تحرروا من أعباءكم.. وتجاوزوا آلامكم القديمة..

أتمنى لكم عاما مفعما بالحياة والسعادة يا أصدقاء..

“إذا لم تكن روايتك مقنعة، فسيكون العالم مترددًا. إذا كانت عاطفية، فإن العالم سيشتريها ؛ إذا كانت تلامس القلب ، فقد ربحت الروح!” – مارتن.

مهم إلى حدٍ ما

أن تعود إلى الجذور..

12ede6c15ec600473fe5d2049e181ee4

مساءكم سعيد أصدقاء التدوين..

غبت طويلا مؤخرا بسبب فترة انتقالية مررت بها وأظن أنها انتهت على أكمل وجه 🙂

أنشر لكم اليوم أول تدوينة بعد عودتي للوطن، من الواضح أني قد عدت قبل مدة غير قصيرة خمسة أشهر من الآن.. وفي هذه الفترة اكتشفت أن علاقتي بالتدوين مرتبطة تماما بالهدوء والخلوة التي قلما أجدها في الوقت الحالي لارتباطي أولا بعملٍ يلتهم كل وقتي وطاقتي دون أن أدرك.. وثانيا لانتظاري ذلك الشعور القديم بالاستقرار والانتماء من جديد لمجتمع بالكاد ألتقط فيه أجزاء من نفسي..  والخبر السعيد حقا أيها الأصدقاء، أن الأمور بدأت تستقر في مكانها الصحيح والوقت بدأ يرخي حباله ويمنحني بعضا منها لاسيما ونحن الآن في الأسبوع الأخير من هذا الفصل الدراسي..

دعوني أتحدث لكم عن تجربة العودة للوطن بعد ستة أعوام من الغربة في الولايات المتحدة الأمريكية تلك البلاد التي أكن لها كل الحب لأنها نقطة الوصل الأولى بنفسي وبعالم ممتد من تلك النفس الشغوفة ولأفق لا نهاية له، تلك البلاد هي مركز الاكتشاف الكبير لعالم شاسع يحتوي مالا يستطيع أن يتصوره العقل البشري من الاختلاف.. حسنا دعوني أصارحكم أن الكتابة في هذا الموضوع تحرير جميل لم أشعر من قبل أني بحاجته حتى كتبت الآن. 🙂

سئلت كثيرا بعد العودة كيف سأستطيع التكيف والتعايش من جديد في هذا المجتمع؟ لم يكن لدي جوابا محددا في الواقع. ولم تكن عودتي دراماتيكية “على الأقل في البدايات”. لم ألتقط أدق التفاصيل أثناء العودة كآخر كوب قهوة مثلا أو أنشر في البرنامج الراحل “باث” آخر أغنية سمعتها عندما كنت هناك. بتاتا! ولكن ببساطة كنت غير مبالية وكثيرا ما أقول لنفسي إنه الواقع ويتحتم علي تقبله مهما يكن. في الواقع قبل العودة بشهر أو شهرين التحقت بسشن (Art Therapy) (فن علاجي). التحقت برغبة من صديقتي الأمريكية التي كانت بحاجته بسبب ضغوط الحياة والدراسة في مجتمع رأسمالي! والتي كانت تعتقد أني بحاجته أيضا بسبب عودتي القريبة للوطن!! وافقتها الرغبة دون أن أبدي جديتي التامة في الفكرة بل بمبدأ “nothing to lose”. كان السشن أسبوعيا، وفي كل أسبوع نفرغ تلك الطاقة السلبية بالفن بالوسيلة التي أحبها كثيرا وكنت في مرحلة زمنية من عمري أستخدمها كثيرا. في الواقع بعد ستة أسابيع أدركت حقا أن الفن وسيلة رائعة لحل معضلة ولو بشكل نسبي حتى لو لم ندرك قطعا أننا في معضلة ونحتاج أن نعترف بوجودها على الأقل. أعتقد أن ذلك السشن كان سببا لبداية إدراكي وتقبلي لما هو قادم. وأن ذلك العالم الوردي الذي عشته خلال الست أعوام الفائتة لن ينتهي بل سيصبح عالما حقيقيا إذا آمنت تماما أنه يقبع في قلبي وليس في مكان ما أو في زمان ما. هذا ماحصل في الواقع، هو أني تحدثت كثيرا عن ما كنت أشعر به عبرت عنه بخطوط وألوان اختارها الموقف وفسرها الشعور بالألم، بالفرح، بالحزن، بالفراق، باللقاء، بالمجهول، و بكل المشاعر الممكنة.

أمضيت ثلاثة أشهر بحثا عن عمل، وجاءتني فرصة أعتقد أنها جيدة جدا لاسيما وفي  هذا الوقت القياسي! علمت أن طريقي ميسرا وأحتاج فقط أن أمضي فيه ونحوه.. عندما بدأت في العمل والانخراط الحقيقي، بدأ مسلسل الاجتياح 🙂 المطر يذكرني.. القيود الاجتماعية تذكرني.. ضغط العمل وبعدي عن هواياتي الصغيرة يذكرني.. كل شيء يذكرني وفي الواقع لا شيء يعجبني كما يقول درويش. أدركت أن الصدمة الحضارية كانت متأخرة قليلا. ولكن الخبر السعيد أن كل شيء كان بقدر كافي تحت السيطرة. قد أبدو دراماتيكية “الآن” ولكن هذا ما كانت تفرضه المرحلة 🙂

أعيش الآن في مدينة صغيرة لطيفة حيث مكان عملي.. أثثتُ مكانا يشبه مكاني هناك ويشبهني أكثر.. أشعل فيه شموعا بروائح مألوفة.. أحضرت بعض النباتات الخضراء.. أسمع أغنيات جديدة تصنع لهذا المكان الجديد ذكريات جديدة.. أمارس أعمالي بحب واجتهاد.. أتعلم شيئا جديدا.. أستمع لحديث ملهم.. ألتقي بالعائلة والأصدقاء كل حين..  أقرأ.. أقرأ.. وأقرأ!

والحياة حتما سعيدة إذا ما اخترنا أن تكون كذلك 🙂

 

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

لاشيء معي إلا كلمات!

IMG_4960

مضى من العمر طويلا، ويوما بعد يوم أدرك أكثر بأن لا شيء يجعل المرء سعيدا إلا إحساسه بذاته.. والذات لا تصنع بيدٍ واحدة، ولا حتى بأيادٍ كثيرة. بل تصنع بقلوب تحب، وبأعين تبصر، وبأذهان تنصت..

كبرتُ في بيئة يتحدث فيها الصغير مع الكبير ويسمع فيها الكبير إلى الصغير، نشأت في بيتٍ يحتضن الكثير من الحب، الاحترام والثقة..  والكثير الكثير من الهدايا.. لا أتحدثٌ هنا عن هدايا باهظة الثمن كـ ساعة من شانيل، أو حقيبة من دولتشي آند قبانا.. أتحدث عن هدايا أخرى لا تباع ولا تشترى.. هدايا تبنى تماما كما تبنى الجبال الراسيات لا يحركها الزمان ولا يبدلها المكان.. أتحدث عن ألمٍ جميل ومعاناة لذيذة ولدت منها آمال وطموحات كبيرة.. عن أحزانٍ سعيدة عن مفارقاتٍ مدهشة لم أفهم ماهيتها حتى الآن ولا أريد أن أفهم، غير أني أعلم يقينا أنها تقودني نحو فجرٍ سرمدي.. هذه الهدايا لا تنتهي ما انتهت هذه الحياة!

هذه الهدايا ربتني كثيرا.. علمتني كثيرا.. فرحت لي كثيرا.. وحزنت لحزني كثيرا كثيرا.. هذه الهدايا هي والدي صديقي ومعلمي الأول.. أمي منى عمري الأبدي، شقيقتي الشذا الذي لا أقوى حياتي دونه.. وأخوتي الخمسة الجدار الذي أسندُ ظهري إليه.. هذه الهدايا هي جنتي هي عائلتي التي امتدت منها هدايا أخرى قابلتها في حياتي خلال غربة الخمسة أعوام.. كل يوم وكل ليلة.. في وجوه الغرباء.. في ابتسامات البؤساء.. في نجاحاتي في حنيني واشتياقي.. شعرت بها رغم المسافات الطويلة والزمن المسبوق.. ولو كان بوسع الإنسان أن يظهر قلبه لفعلت الآن، ولكن.. حقا.. لا شيء معي إلا كلمات!

أدركتُ في محيط عائلتي أن الحب يكبر ما كبرت.. وأن بذرته مدفونة في أول بقعة نبضَ فيها قلبي.. وفي أول كلمة نطق بها لساني.. وبأول يدٍ لمست جبيني.. وفي أول عينين صافحت عيناي… نعم هناك قبل ثلاثة عقود من الزمان في منتصف الثمانينات في الزمن الذي قلنا عنه مرارا وما زلنا بأنه الزمن الجميل.. في بيتٍ صغير جدا في مدينة الرياض بعيدا عن كل شيء وقريبٌ من كل شيء.. بيتٌ يغلفه قلبين يغرقاني حتى اليوم بفيض من عاطفة تملئوني بهم حدٌ الكفاية..

تلك البذرة البعيدة أراها اليوم شجرة كبرت وامتدت جذورها ضاربة أعماق القلوب، وجذوعها معانقة عنان السماء.. أراها في عيونهم.. في ابتساماتهم.. في أفراحهم وانكساراتهم.. كنتُ أراها كل يوم في تمام المساء هناك حيث الأمس القريب، في تمام التعب، الجهد، الطموح والسهر.. هناك عندما يتهادى صوتُ والدي الفجري القادم من الشرق المملوء بخوفه، بحبه، واهتمامه.. كان صوته البعيد أشبه بجرعة مهدئات للأشواق اليقظة في روحي.. كنتُ أراها في دعوات أمي حين ألتقي بالطيبين في طريقي أولئك الذين لا تربط بيني وبينهم قرابة دم أو صلة دين.. كنت أستمتع بمشهدها كلما تغيرت ألوان الأشجار خريفًا لتصبح الدنيا ملونة كلوحة فنية بديعة.. أو كلما لبست الدنيا ثوبًا أبيضًا في الشتاء، كأياديهم البيضاء التي صافحتني كثيراً رغم البعد..

تلك البذرة البعيدة، أثمرت اليوم لتصبح قريبة جدًا.. تماما كقرب شقيقي رفيق دربي ياسر في سنوات الغربة.. ذلك الجندي المجهول خلف قصة لم تكن لتكتمل دون وقوفه جانبي دومًا..

هاقد جاءت اللحظة لأقدم نجاحي ووصولي اليوم لأهل الفضل.. لعائلتي.. لأحبتي.. للصديقات.. وللقلوب البيضاء التي احتضنت وجودي هناك وكانت لي أكثر من عائلة..

لهم مني وافر الحب والثناء..

..

النص بتسجيل وإلقاء المبدع سموت الراشد:

 

 

سينما

مراجعة لفيلم الأوسكار شكل الماء: The Shape of Water

61513a29b831db169a84a300bcda6930

شاهدت البارحة فيلم شكل الماء The Shape of Water.  والحائز على جائزة الأوسكار لعام ٢٠١٧. الفيلم من كتابة المخرج والكاتب السينمائي المكسيكي ديل تورو. لمحة سريعة عن الكاتب، عرفت أنه عاشقا للوحوش منذ الأزل وإذا عرف السبب بطل العجب.

لا عجب أن يصور تورو الوحوش والأشباح بصورة إيجابية، فبدون تلك الوحوش لم يكن ليصل إلى مسرح هوليوود وينال جائزة الأوسكار! ببساطة هو اتبع شغفه واستطاع أن يصل به. وبغض النظر عن اختلاف الرؤية تجاه العمل فالإنصاف واجب، العمل نجح على كل المستويات أقلها مستوى المشاهد العادي الذي لا يملك أدوات نقد خاصة مثلي أنا، أقولها بدون تحفظ أو تحيز، كان العمل رائعا وممتعا!

مرة أخرى، لست إلا متذوقة للفن الجميل، وعاشقة للأعمال الرمزية التي تداعب فكري وتتحدى قدراتي البسيطة. بالرغم أني مقلة من مشاهدة هذا النوع من الأفلام خاصة تلك التي يتخللها بعض الرعب. لأول مرة حقيقة أشاهد الوحش بصورة جميلة! لا أقول جميلة شكلا بل جميلة جوهرًا. هل فقد الكاتب أمله بالبشر؟ هل أصبح يتوقع الأذى من الإنسان أكثر من الحيوان؟ لم يستخدم تورو رمز الوحش بلا هدف وأظن أنني استطعت أن أقرأ المعنى الذي يقف خلفه.

سأشارككم قراءتي المتواضعة لأبعاد هذا العمل وأحاول أن أشرح بعض الرموز التي كانت حاضرة بقوة.

بداية، من وجهة نظري استحق فيلم شكل الماء جائزة الأوسكار لأن القصة كما رأيتها سريالية تنتشل المشاهد من الواقع وتأخذه إلى خيال يجعله يحيا من جديد، أحب الفن السريالي لأنه يفتح للإنسان أفق جديد من الفكر والمشاعر، يجعله قادرا على رؤية ما بعد الصورة، وسابقا لزمنه مستعدا للمواجهة دائما! الفن السريالي ببساطة إعادة الحياة لمجراها من خلال تغذية الخيال لها بطريقة أو بأخرى، قد تكون بتحفة بصرية وقد تكون شعرية، وهذا ما أحدثه ديل تورو في وقت واحد.

قد تبدو القصة مشمئزة للبعض ولكن ضع في اعتبارك أنك تشاهد عملا خياليا، بمعنى أنك لا تركز على الأحداث بقدر ما يجب أن تركز على العناصر التي كونت المحتوى. وإذا قرأت عن العمل أكثر وعرفت علاقة الكاتب بالوحوش سوف تقدر أن تتفهم رسالة العمل إن كان هناك رسالة معينة يريد المخرج والكاتب إيصالها. ولا أعني أن العمل بلا هدف ولا رسالة، بل هو صفحة بيضاء يستطيع كل مشاهد أن يملأها بأفكار ومشاعر وأسئلة مختلفة! وهذا ما جعل العمل مميزا ومثيرا للجدل.

من الأبعاد الواضحة في العمل كان الجانب السياسي والذي تمثل بدور شخصية ستريكلاند  جنرال في الحكومة الأمريكية في حقبة الستينات إبان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، لم تكن أقواله واضحة المغزى ولكن تستطيع أن تفهم أن هناك عداوة كبيرة ضد الفلسطينيين.. أجد هذا الإسقاط ذكي من تورو ومهم جدا، خاصة وأن شخصية ستريكلاند كانت شخصية دموية، ومتجبرة.

البعد الإنساني كان حاضرا وبقوة في ثنايا القصة، حيث تنشأ علاقة الحب بين الفتاة البكماء “أليزا” وبين الكائن الغريب. أصفه بالإنساني لأنه يلامس فئة من الناس قد لا يعبأ بهم أحدا وقد لا يعيشون تجربة رومانسية في حياتهم أبدا فقط لأنهم فقدوا سمعا، بصرا، يدا، أو قدما، هذا لا يعني أبدا أنهم فقدوا قلوبهم وأنهم لا يملكون إحساسا أو ليس لديهم رغبات كغيرهم من الناس الأسوياء! قد يرى البعض تصوير تورو للعلاقة الرومانسية بين وحش وفتاة صورة مقززة، ولكن لم يصور تورو الوحش بصورة وحشية كما صور الإنسان الدموي الذي تمثل بشخصية ستريكلاند.. وأعتبرها الماحة جيدة من الكاتب! ولربما أراد أن يقول بأن التاريخ على مر العصور والأزمان يشهد على مواقف وحشية افتعلها الإنسان الذي يملك قلبا وعقلا في أحيان كان يجب عليه أن يكون إنسانا حقيقيا لا وحشيًا!

أيضا أريد أن أعرج على عنوان العمل “شكل الماء”.. العنوان سريالي ساحر، وعذب للغاية، وإن دلً على شيء دلّ على شاعرية الكاتب العبقري ديل تورو. إضافة إلى أنني أعتقد أن تورو لم يختره عبثا، بل كان له غاية من ذلك. و دعوني أقول بأنها غاية حسنة، فالكائن الذي يعيش في الماء، والذي استطاع أن يسلب عقل وقلب الفتاة البكماء، والقادر على الشفاء واالإنبات.. ليس كائنا فلا يوجد كائن حقيقي بهذه القدرات الخارقة ولكن أخذتني كل تلك المشاهد المرتبطة برجل الماء لقول الله تعالى ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” لا أجزم بأن المخرج كان “عاوز كده” ولا أجزم أنه يعرف هذه الآية حتى ولكن هذا ما حصل معي فعلاً!

أخيرا أريد أن أقول بأن آداء الممثلة ” سالي هوكينز” كان بارعا جدا، فليس من السهل القيام بدور بكماء مع اتقان لغة الإشارة.

العمل أسطورة فنية، ولا أظنه سيغيب عن الذاكرة بل سيخلّد لأنه ببساطة ليس عاديا!

تقييمي: ٩\١٠

شكرا.

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم: Passengers!

lead_960

عودة بعد انقطاع عن التدوين..

أعتذر لهذا الغياب كونها فترة إنهاء مرحلة واستعداد لمرحلة أخرى. ولكن شاهدت فيلما خلال الأيام السابقة يحاكي فترتي الانتقالية هذه، بالرغم أني لم أخطط لمشاهدته تزامنا مع الأحداث والمرحلة الراهنة. جعلني العمل أتوقف قليلا وأفكر بمحتواه وأستمتع بتفاصيله الجميلة. ومن عادتي التي قد تكون سلبية أحيانا أنني لا أسمح لأي عمل فني، فيلما كان أو كتابا. لوحة يتيمة في حائط، أو سيناريو مع غريب في رحلة عابرة، من أن تمر دون أن تحدث أي أثر. ربما لو قلت بأن مصدر إلهامي في الحياة هي كل هذه الأشياء التي ذكرتها لاعتبرني أحدهم فارغة بلا أصول ثابتة. ولعل هذا مالا يتعارض مع طبيعتي الحرة.  لن أطيل عليكم كثيرا فالمقصود هو فيلم الركاب “Passengers” والذي يعتبر أحد أعمال سنة ٢٠١٦ المميزة.

لن أتحدث عن تفاصيل القصة بل كما العادة عن قراءتي الشخصية للعمل. بداية أعتقد أن فكرة العمل مبهرة وخيالية كما تصنف، ولكن يستطيع أي منا إسقاطها على الواقع وأحداث الحياة الطبيعية.

لمن لم يشاهد الفيلم فالفكرة باختصار تدور حول مركبة فضائية تضم مجموعة من الركاب النائمين في صناديق مجهزة. قرر هؤلاء الأشخاص مغادرة الأرض والسفر إلى الأفلون لتجربة حياة مختلفة وجديدة. ولن تصل المركبة إلا بعد مرور ٩٠ عاما من السفر. لذلك تم تخديرهم لكل هذه السنوات حتى إذا ما وصلت المركبة استيقظوا وبدأوا باكتشاف حياتهم التي غادروا الأرض من أجلها. يحدث خطأ في صندوق “جيم” وهو أحد النائمين على ظهر المركبة ليستيقظ مبكرا جدا ولا يستطيع العودة إلى النوم بسبب هذا الخلل. الأمر الذي يكاد أن يكون مرعبا للغاية، كيف سيعيش وحيدا كل هذه السنوات وفي مركبة فضائية خالية من البشر إلا من النائمين؟! وهذه الفكرة أخذتني في الواقع لمشكلة “الأرق” وعدم القدرة على النوم في الظروف الطبيعية. لابد وأن جرب أحدكم مراقبة النائمين في لحظات يهرب النوم فيها من عينيك وتصبح كالحارس بينهم وعلى رؤوسهم. تتأمل وجوههم وتتمنى لو كنت واحدا منهم. تنتظر أن يستيقظ أحدهم ويقتل وحدتك اللعينة. كيف وإن كنتَ في مركبة فضائية وكان من المفترض أن تكون نائما لمدة ٩٠ سنة. ولخطأ ما لا تعرفه أصبحت أنت اليقظ الوحيد وإلى عقود من الزمن لا تدري هل ستقضيها وحيدا أم هل سيرافقك أحد ما ذات يوم أو ذات عام بالأحرى. الفكرة مرعبة حد الانهيار وهذا ما حدث لـ جيم في البداية.

يلتقي جيم بالصدفة في لحظة انهياره برجل يعمل في بار في المركبة، فيشعر بأن الأمل قد ولد من جديد. عندما يقترب منه يكتشف بأنه روبوت مصنّع على هيئة بشرية! وياللخيبة من جديد!

المركبة مجهزة بالكامل بروبوتات كانت ترسل رسائلا إيجابية لجيم حتى يتمكن من تجاوز هذه المحنة والتعايش معها.

بدأ يزاول حياته بشكل طبيعي لمدة عام. إلى أن لمح إحدى النائمات فبدأ يقرأ عنها ويتعلق بها وبصوتها المسجل في ملفاتها المحفوظة في جهاز الكمبيوتر. بدأت تتمكن منه فكرة إيقاظها عن طريق فتح الصندوق الخاص بها. حاول مرار أن يبعد هذه الفكرة ولكنه لم يستطع إلى أن قرر أن يقوم بإيقاظها. عندما استيقظت بدأت أحداث القصة تبدو أكثر إثارة وأكتفي أنا هنا بهذا القدر من القصة..

دعوني الآن أتحدث عن  المعاني العميقة التي تخللها العمل وحاول إيصالها للمشاهد من وجهة نظري الشخصية.

أولا: يحدث أن تضعك الحياة في ظروفٍ لم تختر أن تكون فيها، أن تقلب واقعك رأسا على عقب، أن تتغير خططك المستقبلية بسبب هذه الظروف الطارئة، أن تجعلك حزينا، مستاءا، محبطا وغير قادر على المواصلة. ماذا يجب عليك أن تفعل؟ أن تستسلم لكل ما حدث؟ أن تسمح لحزنك، احباطك، واستياءك أن يسيطر على ما تبقى من قلبك وعقلك؟ كل إنسان محب للحياة سيقول “لا” بالتأكيد! ولكن هل أنت قويا بما يكفي؟ القوي هو من يجعل كل تلك الظروف تعمل لمصلحته، أن يقودها هو لا أن تقوده هي. أن يعتبرها شجرة جديدة لها ثمارٌ مختلفة الشكل واللون والمذاق وأن يسمح لنفسه بأن يقطفها ويستمتع باختلافها. القوي هو من يجعل مساره حرا يتوقع انحرافه في أي لحظة مباغتة، وأن يكون مدركا ومتقبلا لكل طارئ في طريقه.

في هذه الحالة فقط يصبح الإنسان إنسانا أقوى، وتبقى قوة الإنسان في عطاءه لا بأخذه! لا تنتظر من الحياة أن تفاجئك، اصنع مفاجأتك بنفسك وكن يقظا لأدواتك وممتلكاتك ووظفها جيدا لحاجتك.

ثانيا: قد تلتقي بأحد أهدافك في أحلك الظروف، تماما كما حدث مع جيم عندما التقى بالمرأة التي كان يبحث عنها طيلة حياته! كن متصالحا مع مفاجآت القدر. فلا تدري رب حلم يصبح حقيقة بين ليلة وضحاها!  حافظ على شغفك دوماً!

ثالثا: هل إيقاظ جيم لـ أرورا كانت جريمة؟ لوهلة، نعم! ولكن في مثل حالتها كدور كاتبة قررت أن تسافر إلى الأفالون بحثا عن السعادة، وأن تقوم بتأليف كتاب وفقا لتجربتها الفريدة، أعتقد أن جيم ساعدها بتحقيق هذا الهدف الأسمى. فما السعادة إلا الحب، وما التجربة الفريدة إلا التي تنبع من حب كيف وفي ظروف خيالية كتلك الظروف وخلال ٩٠ سنة؟! لابد و أن كتابها سيكون تحفة فنية خالدة مليئة بالنضج والابتكار، لابد وأن يكون نصا مقدسا تعكسه الأقمار الستة المحاطة بكوكب الأفالون!

وأحب أن أستطرد هنا في مسألة التأليف، وأطرح بعض التساؤلات. كيف يستطيع أي كاتب أن يؤلف كتابا وينشره في ظرف سنوات قليلة؟ هل يثق تماما بأفكاره، بعقله، باتجاه التيار الذي يمضي فيه؟ أو حتى بجودة النص الأدبي الذي ينشره؟ هل تلك المشاعر التي نشرها في عمل مطبوع ستبقى تماما كما هي؟ أم أنه سيعود ليقرأها مرة أخرى ويشعر بأنه يقرأ لشخصٍ آخر؟ كيف سيتعامل الكاتب المؤلف مع أفكاره التي تتغير بتغير السنين؟ كيف يضمن أن تأليفه لكتاب ما سيبقى خالدا حتى لو تركه خلفه وغادر هذه الدنيا؟ لستُ ضد التأليف إطلاقا، وأعتبره حق للجميع.. أنا فقط أفكر بصوتٍ مزعج وأمارس ما أملك من حرية لا أجرؤ أن أضعها بين دفتي كتاب على الأقل في الوقت الراهن. مع أخذ الاعتبار أن التدوين يختلف عن التأليف!

اقتباسات جميلة من النص البديع:

-أورورا: لا تتعلق بالأماكن التي تفضلها، بل حاول أن تنساها وأن تحقق أقصى استفادة من مكان وجودك. لقد ضللنا الطريق. لكننا وجدنا بعضنا وعشنا. حياة جميلة. سويا!

-أورورا: اعتاد والدي أن يقول: “إذا كنت تعيش حياة عادية، فكل ما يمكنك كتابته قصصا عادية. عليك أن تعيش حياة المغامرة لتصبح كاتبا لا يتكرر!!”

هذا كل مالدي. العمل جميل جدا ويستحق المشاهدة فعلا.

تقييمي: ١٠\١٠

سينما

مراجعة فيلم A Ghost Story

72ee90e6-92d8-11e7-b116-f4507ff9df92_1280x720_112846

شاهدت قبل عدة أيام فيلم A Ghost Story، قصة شبح والمصنف كفيلم درامي وخيالي. من كتابة وإخراج ديڤيد ليروي، ومن بطولة الرائع دوما كايسي آفليك وروني مارا. هذا الفيلم من إنتاج أفلام سنة ٢٠١٧. وأكاد أقول أنه أحد أفضلها على الإطلاق!

العمل ليس عاديًا، وربما لا يناسب أي شخص لمشاهدته. إذا كنت ممكن يفضلون الإثارة وترقب الأحداث؛ فهذا العمل لا يناسبك! ولكن لا مانع من إعطاءه فرصة..

بالنسبة لي أعشق الأعمال الغارقة في الغموض والتي يستطيع أن يخرج منها المشاهد بعدة معاني عميقة تصنع أثرا في نفسه، وتمنحه فكرا فريدا.

هذا العمل لم يكن غامضًا بالضرورة، ولكنه يجعلك حائرا في البداية، كون القصة تدور حول شبح كان كائنا بشريا وحيا يرزق يوما ما، ليأخذه الموت ويعود غريبا لا يراه أحد ولا يشعر بوجوده أحد! يجعلك العمل تتساءل هل أراد المخرج أن يصور صورة الإنسان بعد رحيله أم صورة أحباءه بعد رحيله؟ وربما أراد المخرج أن يعرض كلا الصورتين ويتركنا في نهاية المطاف نشعر بغربة هذا الكائن الشبح، واستمرار الحياة كما لو لم يكن موجودا من قبل!

القصة جعلتني أطرح تساؤلات حائرة، هل الميت يشعر بنا؟ بفرحنا؟ بحزننا؟ بحاجتنا له؟ وهل يحتاج هو أن يعود إلينا؟ هل يشعر بنسياننا له سريعا؟ بانشغالنا؟ بقدرتنا على التكيف بعد رحيله؟ هل يسمع ضحكاتنا وبكاءنا؟ ومالذي يأتي بالراحلين بعد رحيلهم في مناماتنا في أوقات غير معلومة وربما تزامنا مع مواقف غريبة؟

الكاتب ليروي أبدع فعلا في تصوير مشاعر الفقد والحزن والحب والنسيان والخوف في مشاهد صامت وخلفية موسيقية ترسم الكلمات بشكل حرّ.. لم يتخلل العمل إلا حوارات بسيطة جدا وفي المجمل كان الصمت سيد الموقف، يجعلك كمشاهد قادرا على صياغة النص بطريقتك الخاصة! لهذا وجدت العمل مختلفا. كيف وهو يركز على أصعب موقف يمر به الإنسان في حياته الفقد وغياب الأحبة!

من المشاهد التي لامستني كثيرا، مشهد البداية عندما كان الزوجان يتحاوران حول رغبة الزوجة بالانتقال من منزلهم الذي يقع في الريف، وعدم رغبة الزوج بذلك.

ليتعرض لحادث سيارة في اليوم التالي ويموت قبل أن يغادر المكان الذي لم يكن يريد مغادرته!

قرأت من خلاله كيف يمكن أن يحب الإنسان وطنا، منزلا، مكانا، قد يفتقد لأبسط عناصر الجمال المحسوسة، ولكن في هذا المكان دون غيره وقعت لحظات سامية لا يمكن أن تتكرر بنفس الصورة ونفس الجوهر في أي مكان آخر! (أن تهجر بيتك الأول؛ أن تستغني عن الجذور؛ أن تستبدلها بثمار لا تعرف أساسها، هو أن تهدم ذاتك بطريقة ما!)

راقت لي أغنية ”I get overwhelmed” في ثنايا العمل من كتابة البطل الذي أصبح شبحا.. كلماتها عميقة ورائعة وتصف فترات الصمت الطويلة في المشاهد.

أترك لكم الاستماع إليها:

وهنا بعض الاقتباسات الجميلة من الفيلم: 

– نحن نبني تراثنا قطعة قطعة، وعندما ترحل ربما العالم كله سيتذكرك وربما فقط بضعة أشخاص. ولكن عليك أن تفعل جاهدا ما بوسعك لتبقى حيا بعد موتك!

ـ م: عندما كنت صغيرة كنا ننتقل كثيرا، وكنت أكتب ملاحظات في قصاصات ورق وأطويها جيدا وأخبئها في أحد زوايا المنزل!

س: ماذا تقول تلك القصاصات؟

م: مجرد أشياء أريد أن أتذكرها حتى لو عدت يوما ما أجد شيئا مني ينتظرني هناك!

– الكاتب يكتب رواية، وكاتب الأغنية يكتب أغنية، ونحن نفعل ما في وسعنا لتستمر الحياة!

– م: ماذا يعجبك في هذا المنزل؟

س: التاريخ!

أخيرا تقييمي للعمل: ٨/١٠

 

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم Collateral Beauty

Unknown

شاهدت فيلم collateral beauty على متن الطائرة متجهة من لوس أنجلوس إلى الرياض. هذا الفيلم سمعت أنه تراجيدي قبل أن أقرأ النبذة القصيرة عنه، وقبل أن أشاهد إعلانه.
لم تكن خيارات الخطوط السعودية كافية فقررت مشاهدته كونه أحد الأفلام التي نويت مشاهدتها.
الفيلم من إنتاج سنة ٢٠١٦، من بطولة الرائع دوما ويل سميث والرائعة كيت وينستون..

قصة الفيلم تدور حول شخصية “هاوارد” الذي يقوم بدوره ويل سميث. هاوارد رجل أعمال يمتلك شركة بيع مستحضرات تجميل، ذكي مبدع قوي محب للحياة ومحبوب بين الناس وزملاؤه في العمل. يفقد ابنته بسبب إصابتها بمرض سرطان الدماغ. ويفقد بعدها رغبته بالحياة. غير قادر على الإنتاج والتواصل مع نفسه ومع الآخرين كما في السابق. ينعزل عن العالم، لا يجيب على هاتفه، ويتخلى عن هاتفه فيما بعد. لايأكل، ولا ينام جيدا. يصحو كل يوم في تمام السادسة صباحا ويقل دراجته، ويجابه السيارات في شوارع نيويورك المزدحمة ودموعه تملأ وجهه من ألم الفقد الذي لم يفارقه بعد سنتين من وفاة ابنته. كأن ضوء السيارات تفهمه، ولا تفضح شعوره كما يفعل الناس. كأنه يخاطر بحياته بين السيارات فلم تعد لحياته معنى بعد هذا الفقد.

هاوارد إن كان يفعل شيئا آخر في يومه فهو يكتب رسائل للأشياء فهو حريص أن لا يبوح بألمه لإنسان. يضع الرسائل في صندوق البريد؛ رسائل للحب، للوقت، وللموت.. رسائل قاسية جدا تعبر عن الألم الذي تسبب به له كلٌ من هذه الأشياء الثلاثة!

زملاؤه في العمل كانوا يعتقدون أن هاوارد قد أصابه شيء في عقله، فقرروا مساعدته. فبعد أن توصلوا للرسائل التي يكتبها، خطرت لديهم فكرة أن يبحثوا عن ممثلين يقوموا بدور كل من الحب، الوقت والموت. كل هذا فقط ليتأكدوا أن عقله لايزال في مكانه وبظنهم أن هذه طريقة جيدة لمساعدته!

هاوارد اكتشف حقيقة الأمر وقرر أن يتخلى عن الشركة ويرحل ويترك بصمة “الرجل الذكي المبدع” حتى وإن رحل متألما.

رسائل العمل رائعة سأختصرها بعدة نقاط:

– الفقد هو الألم الوحيد الذي لا يمكن أن يبرأ بحال، و لايخفف وطء هذا الألم إلا مشاركته مع من نحب ونفهم.
– الأشياء التي تسعدنا هي الأشياء التي تؤلمنا.
– لا تحكي آلامك إلا لمن يحسن الاستماع إليها فقط، أما أولئك الذين يتحدثون و ينكبون عليك بالنصائح فابتعد عنهم فهم ألد أعداء النسيان و الشفاء.
– لا تبرر ألمك كي ترضي غيرك؛ فلا أحد يعيش لغيره!
– الحياة قصيرة لكنها ليست ضيقة، متسعة ما اتسع الحب لكل شيء ولكل أحد.
– الذكريات تؤلمنا وتعزينا في الوقت ذاته.
– الوقت يقاس بالسعادة و الألم لا بعدد الأيام والساعات.

حقيقة العمل صادق و مؤثر جدا ولم أتمالك دموعي أثناء المشاهدة.

أنصح به وبشدة خاصة لمن جرّب ألم الفقد بأي شكل من أشكاله.

تقييمي: ٧/١٠

سينما

مراجعة للفيلم السعودي “بركة يقابل بركة”

2016082602040242
..
فيلم: بركة يقابل بركة
النوع: سعودي
إخراج: محمود صباغ
تمثيل: هشام فقيه + فاطمة البنوي
إنتاج: ٢٠١٦

قصة الفيلم تدور حول بطلين “بيبي، وبركة”. أما بركة بن عرابي فهو شاب سعودي من مدينة جدة يبدو في مطلع الثلاثينات من عمره. موظف حكومي في البلدية. يبدأ يومه متثاقلا عندما يصحو على طرق شديد لباب بيته المتهالك في أحد أحياء جدة الفقيرة. تطرق بيته “داية سعدية” امرأة كبيره في السن، لسانها طويل، مهمتها نقل أخبار الحي، غسل غتر رجال الحي وكيها، و “داية” للنساء.. ومشعوذة أحيانا! زوجها العم دعاش.. رجل يقضي غالب وقته في قهوة شعبية أمام تلفاز قديم يعرض الغناء. العم دعاش رجل يقتات على الصياح على زوجته نهارا وعلى الخمرة مساء!

بيبي حارث هي فتاة لسعودية متحضرة ومن الطبقة المترفة. بيبي اسمها أصلا بركة حارث ولكن لأنها تخجل من اسمها فالكل يناديها “بيبي”. فتاة جميلة ووالدتها ميادة تستغل جمالها وأنوثتها في التسويق والشهرة في مواقع السوشال ميديا. بيبي لا تحب حياتها التي لم تختر طريقتها بل المجتمع، العائلة، وحالتها الاجتماعية فرضت عليها نمط حياة معين. بيبي تعتبر الحياة في مجتمعها “حياة زيف”. فبالرغم من مستوى الترف الذي تعيش فيه تبدو غير سعيدة بواقعها.

في أحد الأوقات كانت لديها جلسة تصوير في شاليه مكشوف على شواطئ مدينة جدة. جلسة تصوير كونها إحدى مشاهير السوشال ميديا. كانت بلباسها العادي وكأنها في بلد أجنبي! الأمر الذي جعلني أتساءل هل هذا يحدث فعلا في مدينة جدة؟ ربما!
وفي التوقيت نفسه كانت لدى بركة جولة تفتيش عن مخالفات في نفس المنطقة! قام بعمله بشكل روتيني، تغاضى عن المخالفة وهو يردد “آخر مرة” ليتغاضى عن المخالفة ربما مدى العمر عندما رأى بيبي وسأل أحد الموجودين من تكون وإن كانت فتاة سعودية!

من هنا بدأت قصة المعرفة لتبدأ بعدها قصة الحب الممنوع. لن أكتب أكثر عن تفاصيل القصة ولكن سأكتب عن النقاط التي سلط الفيلم عليها الضوء.

أولا: يعرض الفيلم مشاهده بعدسة متطرفة إن صح التعبير. وأقصد بذلك أنه ركز على الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة في مجتمع جدة بشكل خاص والمجتمع السعودي بشكل عام كونه يضرب بصورة مباشرة في الثقافة السعودية عموما. بالرغم أن الطبقة المتوسطة حسب توقعاتي هي الأغلب في المجتمع السعودي.
ثانيا: يحاول الفيلم أن يجعل العمل خاصا بأهل جدة ويلامس واقعا آلم الكثيرين من أهل جدة وهي حادثة السيول. لم يتطرق العمل لهذه الحادثة بصفة خاصة ولكن لم يكن عبثا أيضا أن تكون البلدية حاضرة في العمل بشكل كبير.

ثالثا: عندما يأتي الحديث عن السعودية فالعادات والتقاليد المجتمعية هي سيد الموقف دائما. وأي تغييرات في البلد حدثت أو ستحدث لابد من كل فرد أن يضع هذه العادات والتقاليد في حسبانه. وهذه حالة شرقية بحتة ولا تخص المجتمع السعودي فقط، بل تشمل ثقافات أخرى كاليابان والصين وتايلاند وغيرها من البلدان التي تهتم بالسياق الثقافي المجتمعي أكثر من السياق الثقافي الفردي. في مثل هذه المجتمعات يجب على الفرد أن يفكر أولا بجماعته، بمجتمعه، وبكل جمع يربطه من قريب أو بعيد، وأخيرا يفكر بنفسه كفرد مستقل.

رابعا: من القضايا المحورية في العمل، هي قضية المواعيد الغرامية، أو العلاقات بين الجنسين خارج مبدأ الزواج، وطريقة الزواج المتعارف عليها. ولا أدعي أن رسالة العمل هي دعوة صريحة لهذا الموضوع بل وجدت العمل محاولة جيدة لدراسة ومعالجة الحالة الثقافية الحالية في المجتمع. قد يقول قائل أن العمل تطرق لهذه القضية وغيرها بكثير من المبالغات، وأقول لا يخلو عمل درامي من أي مزايدات درامية بل هذه سمة نجاح العمل الدرامي. ومن وجهة نظري الشخصية أنه لا يجب أن يكون مصدر معرفتنا الثقافية مبني على أعمال فنية تعتبر بالدرجة الأولى اجتهادات شخصية، وليس من حقي أن أحكم على ثقافة ما بطريقة ما لأن كاتب أو مخرج صورها كما يراها… بل والحكم على الأشياء خطأ فادح يؤثر على رؤية الفرد وطريقة تفكيره وتعاطيه مع القضايا من حوله، وإذا اعتاد الانسان على إطلاق الأحكام جزافا يصعب تغييره وتقبله للجديد حتى لو أدرك أن ما كان يراه صائبا في السابق أصبح خاطئا هذا اليوم! لا يوجد صواب أو خطأ، بل يوجد شك وإيمان ولا يحدث الإيمان بأي شيء من مجرد عمل واحد بل بعمل متكرر وبحث دؤوب. وعلى أية حال، ثرثرتي هذه لا تعني أني أقف مع العمل أو أقف ضده على الإطلاق.

خامسا: كانت العلاقة بين بركة وبيبي علاقة غير متكافئة. كان بركة هو الطرف الأضعف في العلاقة والأكثر جدية، بينما كانت هي الطرف الأقوى والأقل جدية. وهذا لا يعكس الواقع بشكل محسوس في نظري. وأعزو الأمر لتباين المستوى المادي والفكري بينهما.

سادسا: الأبناء والآباء وسلعة الأبناء في مواقع السوشال ميديا. وهذه ظاهرة مخيفة جدا في الوقت الحالي. أصبح التفكير بالمادة هو أساس الحياة. ولم يعد للحياة معنى سوى كيف أحصل على متابعين أكثر في انستقرام أو سناب تشات وغيرها. أصبح الفرد غريبا عن نفسه ولا يهمه إلا إرضاء غيره ونسي تماما أن إرضاء الغير غاية لا تدرك. أصبح الناس يلهثون خلف من يبيع خصوصيته أكثر، ومن يحجب الستار عن نفسه أكثر. في العمل كانت بيبي هي سلعة والدتها بالتبني “ميادة”، كون الفتاة جميلة والأم تدرك جيدا أن هذا باب رزق جميل في الوقت الحالي! المصيبة أن ما يحدث في الواقع هو استغلال لأبناء الدم وليس التبني فقط، ولست هنا في معوض إباحته على أطفال التبني أو مجهولي الهوية، فالقضية إنسانية ويجب أن تكون مرفوضة تماما!

سابعا: عرض الفيلم مقارنة مباشرة بين المجتمع السعودي قبل حادثة جهيمان في الحرم المكي، وبعد الحادثة. وكأن ما حدث طرح الخوف في قلوب الناس أجمعين، وبدأت الصحوة لتسيطر بالكامل على الحياة الطبيعية. على المرافق الاجتماعية، على التعليم، والصحة، على الأسرة والفرد. سيطر العار والعيب على العقول، وأصبح المرأة رمزا للرذيلة وكأنها لم تخلق إلا جسدا.

ثامنا وأخيرا: العمل رائع كقصة، أما الآداء لم يكن بمستوى النص إطلاقا. أبدع بالفعل الكاتب والمخرج السعودي محمود صباغ وأجزم أن قادمه سيكون أجمل.

تقييمي للعمل: ٦.٥\١٠

*ملاحظة: التدوينة قراءة للعمل وليس بالضرورة رأي شخصي.

مهم إلى حدٍ ما

اصنع الفرصة بنفسك!


..

هناك الكثير من العبارات التي نسمعها من حولنا وتترك في حياتنا الأثر الكبير سلبا أو إيجابا وتكاد تكون هذه العبارات للأسف فارغة من المعنى.

سأكون واضحة ودقيقة أكثر، ما أقصده هو اكتفاء البلد من هذا المجال أو غيره، عدم الاحتياج، تكدس، وغيرها من المصطلحات التي لا ترمي إلا لمزيد من البطالة من جهة، ومن جهة أخرى المخرجات ليست بالكفاءة المطلوبة. والسبب بطبيعة الحال أن من يعمل في مجال ما، غالبا لم يعمل به برغبة منه بل برغبة سوق العمل رغم أن هذه الكلمة ليست دقيقة بما يكفي؛ فهناك الكثير من الخريجين والخريجات في تخصص معين كان في يوم من الأيام مطلوبا في سوق العمل ليصرح مسؤول العمل أنه تم الاكتفاء من هذا التخصص وغيره!

أنا لا أقول أن على الحكومة توفير وظائف لكل خريجي التخصص الفلاني! لأنه من الصعب بمكان تحقيق مثل هذا المطلب. ما أريد قوله هو أرجوكم لا تهمشوا تخصصا من التخصصات لأنه لا يخدم سوق العمل، واتركوا الآخرين يتخصصون فيما يحبون ويعملون ما يتقنون! لن يتقدم البلد إذا كانت مواردنا البشرية ليست في مكانها الصحيح.

أدرك جيدا أن تنويع المجالات وتوسيع الفرص وإعطاء مساحة لحرية الاختيار هي الحل الأمثل لتقليص مشكلة البطالة. أما الحد من الشيء لمنع وقوع المشكلة ليس إلا نمو للمشكلة باتجاه آخر ربما لم نفكر به ولم نتصور حدوثه.

نأتي لمصطلح سوق العمل؛ هل هو دقيق؟ من وجهة نظري أقول لا لأن من يحدد سوق عملك أنت، إبداعك، مهاراتك، خبراتك، وإختلافك عن غيرك. سوق العمل يجب أن يكون عالم شاسع يحتوي جميع الكفاءات بكافة أشكالها وأنواعها. لا يجب أن يكون محدود وضيق كما نرى اليوم، للحد الذي أصبح الفرد لا يشعر بذاته ولا يجد قيمة لنفسه. ثق بنفسك، اجتهد، واستعن بالله واصنع الفرصة بنفسك!
دمتم مكافحين

🙂

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

ماذا تريد أن تصبح؟

..

في أحد الأيام قابلت المشرف على أطروحتي في الماجستير، والتي لا تزال قيد الدراسة.. 

تحدثنا عن قضايا كثيرة متعلقة بموضوع الدراسة، تماما كما نفعل في كل اجتماع.. 

في عرض الحديث سألني بطريقة مفاجأة: ماذا سوف تفعلين في شهر سبتمر عام ٢٠١٨؟ 

وأجبت بطريقة عفوية: لماذا شهر سبتمبر؟ 

فأجاب بعد حصولك على درجة الماجستير وتخرجك ماذا سوف تفعلين؟ تكملين دراستك؟ تبحثين عن وظيفة؟ تعودين لبلدك؟ 

أخبريني ماهي خططك المستقبلية؟ 

أعترف أني لا أعرف ماذا سأفعل، وليس لدي أي خطة واضحة للمستقبل. بل إن المستقبل لا يزال محجوبا بالنسبة لي. 

أعترف أيضا أني شخصية مشتتة، واهتماماتي كثيرة جدا وليس لدي تركيز محدد على مجال معين. 

وقصة التشتت مستمرة معي منذ الأزل.. والمجالات التي درستها متعددة ولا تصب في مجرى واحد. 

حقيقة لست منزعجة من هذا التشتت، أو دعوني أعبر عنه بشكل إيجابي وأقول “تنوع”. ومؤمنة أن ما أنا عليه الآن هو مزيج أنيق من كل ما جربته وتعلمته في حياتي. ولا أقول أني راضية تمام الرضا أبدا، بل إني أتطلع دوما للأفضل والأرقى.. 

ولكنني حقا، لا أعرف ماذا أريد. وكل ما أعرفه أني شغوفة جدا أحب التعلم والاكتشاف حتى لربما أصل إلى ما يشعرني بالانتماء والرضا الكامل. 

وفي ذات الوقت، أغبط أولئك الأشخاص الذين يعرفون جيدا ماذا يريدون أن يصبحوا، ولديهم رؤية مكتملة للمستقبل. وأؤمن جيدا أنها نتيجة للرضا، وأن الرضا غاية صعبة.. وتصبح أكثر صعوبة على من يحرقهم الشغف والطموح بلا أمد. وكما يقول أحدهم ” الرضا يكمن في الجهد، لا في التحقيق، والجهد الكامل هو انتصار كامل” ولعل مافي هذا القول ما يرضي حيرتي. 

أعود لسؤال مشرفي، وإجابتي. قلت له أني صدقا لا أدري. ولكنني سوف أبذل جهدي لأن أضيّق أدواتي وأجد الحلقة المشتركة التي تعينني على بناء مستقبلي. 

هل تعرف ماذا تريد أن تصبح؟ أخبرنا؟ كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟