ميلاد

سحابة هم !

d987d985
الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحاً ::

ضللتها سحابة رمادية تقطر مطراً من هم , حتى جثمت على صدرها كومة من الهموم الراكد ماءها !
تنظر إليها وقد شحُب وجهها المشرق في زمنها المتصرم ! ودمع عينيها يسيل على خديها ,
لم تعد تجمع شتات أفكارها , الكل يلحظ تلعثم لسانها عند حديثها ,
وبعثرة نظراتها بين الجموع , وشرود ذهنها وقت العمل وكل وقت!
بعد أن كانت تلك الفتاة المتوثبة نشاطاً والمتقدة همةً لايهز شموخها مواقف الحياة القاسية مهما بلغت شدتها !
هكذا تعبّر عن ذاتها بكل شجاعة وثقة , ولطالما مسحت بكفها جراح أحبابها , وأبدلت الدمعة بالبسمة ,
بيد أن همها اليوم ” كبير ” لا يقارن بهمومها الصغيرة في سالف الأيام , ولم تعد للشجاعة أو للثقة ثمّة مكانٍ يذكر !
فمن يزيل عنكِ الشحوب ؟
ومن يمسح بكفه جراحكِ أيا سلوى ؟
تغذي روحها المثقلة بنسائمٍ عليلة من كل فجرٍ جديد , وتطلق للشروق أنفاسها الواهنة , من أجل أن تعيش وأن تعيش فقط !
ورغم كل نبضة أمل ينبض بها قلبها السامي , تظل تحاصرها أنواراً سوداء مظلمة !
مضيء ظاهرها , وباطنها معتم كعتمة الليل ذي الصرير المزعج !
أطرقت رأسها طويلاً ذات يوم عارمٍ بالأعمال , وبينما هي كذلك إذ أقبلت عليها رفيقة دربها ” حنان ” تحملها الأشواق لأحاديث سلوى التي لاتملّ ,
طبعت على خدها قبلة بعد أن ألقت عليها التحية والسلام ,
جلست جانبها , ومازحتها ببعض كلمات .. وما أثقل المزاح حين يكون المتلقي غارقاً في لجة همومه !
لم يعجب” حنان ” ماترى من حال صاحبة الأمل وصاحبتها ..
ارتدت نظارتها ونظرت إليها بتفحص دقيق ,
شاهدتْ صمتاً يسكنها , وأنيناً تحكيه ملامح وجهها .. وفتوراً يقيّدُ همتها المتوهجة !
وبهدوءٍ وشيءٍ من خجل حيث لم يكن الوقت ملائماً لمزحاتكِ الخفيفة ياحنان :
سلوى .. مابكِ .. حبيبتي ؟
أجيبيني .. عيناكِ تحملان أحاديثاً كثيرة ,
حتماً لا أعرفها .. وأنى لي أن أعرفها ! وأنا لم أرى منكِ هذا الوجه في حياتي قط !
أتخبئين عن رفيقة دربكِ ؟
بثي همكِ أيا “سلوى” ..
كلي لكِ ..)!

تهرب “سلوى” بعينيها عن أسئلة رفيقتها “ حنان ” ,
وحاجبان معقودان , وكشرةٌ عفوية !
ويبقى الصمت سيداً بينهما ..

سلوى …….: فلتلتقِ أعيننا أرجوكِ.. ولاتهربين
أخبريني ماخطبكِ ؟

سلوى “بصوتٍ حزينٍ صاخب :

حنان , كفى إلحاحاً ..”
ودعيني وهمي الكبير فليس كلٌ مايمر به الإنسان من كروب يذكره لأقرانه وأحبابه مهما بلغت بينهم المحبة ومهما كانت عمق الصداقة بمكان ,
كل ما أرجوهُ منكِ دعوةً صادقةً لي بأن يفرج الله كربتي عاجلاً غير آجل ..
وثقي تماماً ” أنتِ الصاحبة التي إن أردتُ البوح سأبوح لها وليس لغيرها أبداً ”
ولكنني لا أعتقد بأني سأبوح بهمي فلستُ وحشية لأعذبكِ معي .. إضافةً إلى أنكِ تعرفينني جيداً وتعرفين مدى تفاؤلي .. أنا لا ألتفتُ إلى همومي ولا ألقٍ لها بالاً
حتى وإن كدّرت صفو حياتي ليلة أو ليلتين !.. ستعود إشراقتي المعهودة لامحالة !
” فاطمئنــي “

رددت ذلك ودموع عينيها تسبق كلماتها !
وماكان منها إلاّ أن تقطع حديثها … بعذرٍ واهي اختلقته لتهرب من شعورها الداخلي بالهوان !
ولتهرب أيضاً من التناقض الرهيب الذي تعيشه , تناقضٌ بين الشعور العفوي فــ سلوى إنسان لايحتمل أكثر من طاقته , وبين والرغبة التي تطمح بالوصول إليها ! فــ سلوى تحكّم عقلها ولاتتركُ لقلبها مجالاً لإصدار الأحكام مهما تطلّب الموقف ذلك ّ!
وما أشده من عراك وجدانيّ و عقليّ !

0
0
0

الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف صباحاً :
مسحت دموعها ,
والدتي بانتظاري الآن وعليّ أن أذهب ..
تجمع حاجياتها بسرعة ,
ترسم بسمتها العذبة والمفتعلة هذه المرة ! و تهديها ” حنان ” رغم الهم الذي أثقل كيانها !
وتلوح بيدها قائلة ” أراكِ على خير يارفيقتي

غادرت المكان ..
وبقيت تسأل نفسها في طريقها إلى والدتها المزعوم انتظارها :
يااااه مالذي يجري ؟
لا أحب أن أكون كذلك إطلاقاً .. إنّ التناقض الذي أشعر به الآن كفيل أن يفجّر مكنون صدري من الهم !
وأنا لا أحب أن أبوح .. لا أحب .. لا أحب .. !
زفرات صامتة , وأنات مخنوقة ..وعويــــل لايسمع !
سامحيني يا “ حنان
لا أستطيع ياحبيبة الفؤاد .. لا أستطيع .

ترفع رأسها ببطءٍ شديد , … وتتمتم بصوتٍ هامس :

آه يا الله , أنقذني وعافني من شرودي , وحدك من يجبر كسري ويزيح همي !

 

الأربعاء :
4-8-1429هـ