وقت متأخر جدا

[ رَسَائِلَ مُغَلْغَلة ] (1)

2548764

 

رأيتها بعد ثمان سنينٍ خلتْ ، وانهالت عليّ كل الذكريات ، حتى كادت أن تختلطَ بالجديد منها فلا أصدّق أن ما يحصل الآن أحقيقة لا مناص منها أم حلمٌ  مجردٌ بدأ يفتكُ بذاكرتي .
بادرتها التحية .. والسؤال عن حالها !
فأبدت استغرابًا ودهشةً لكنها لم تمنعها من رد التحية ، لتُتبِعها بسؤالٍ هامس : عفوًا .. من أنتِ ؟
أفردتُ ثغرًا باسمًا بينما كانت الدموع تبحرُ في عينيّ وأتمالكها كي لا تنهار في لحظةٍ سعيدة كهذه !
لا ريب أن دمعات الفرح ستعكّر مزاجي وإن كانت دمعات فرحٍ كما أسلفت لا أريدها ..
وحين رأيتها مشدوهة حائرة !
أيقنتُ أني جئتها على حين غفلة ولم تخبرها شقيقتها أني أرغب بلقائها ..
لم أشأ أن أفصحَ من أكون ؟!
خشيتُ أن تكون كالذين يتجاهلون رفاق السنين الماضية بمجرد مُضيها وزوالها !
فهمْ صحاباً للأيام وحسب هكذا يؤمنون !
لم أدعها في حيرتها ساكنة .. قلتُ لها : ألا تذكرين صديقة الطفولة ؟!
تلك الرفيقة التي كنتِ ومازلتِ حتى قبيل الرحيل تتشاكسين معها في أول النهار وما أن تغرُبَ شمسها حتى تعودُ الحميميّة تجمعكما وكأنّ شيئًا لم يكن .
ألا تذكرينها في الصفوف الأولى من رحلتكما الدراسية ، هذه الرحلة العارمة بالأحلام والأمنيات ..
ألا تذكرينها حينما كنتما تختلسان الأشجار المحاطة بمنازلكما فتخرقان كل قانون وكل نظام يتم إقراره من قبل الجهات المناطة بمسؤوليتكما 🙂
ياااااه ..
ألا تذكرين .. وأنتِ ( … ) بقلبكِ الحاني الذي يسعُ الجميع 🙂
كم مرةً قبصتي خديها حتى يغدوان حمراوين كحبتي بندورة ناضجتين ؟
لم يكن هذا وحسب ..
ألا تذكرين الدماء التي سالت من وجهها قبل ليلة اختبار في الصف السادس الابتدائي ؟!

وكنتِ سببًا فيها حينَ ندفتِها بسرعة قصوى بلغت 200 ميلًا في الثانية على ذلك ( السيكل ) الجميل 🙂 ..
أنا لا أقاضيكِ الآن يا رفيقتي ..
يا من سميتِ نفسكِ بالرحيل ! فكأنّ الاسم سكينٌ يطعنُ قلبي مذ رأيته ..
فعلامَ الرحيل ؟!
مازلتُ فقط أعيد جزءًا من شريط الذكريات لتعرفي من أكون ؟!
فهل عرفتِ؟!
كأني بها صرختْ مرددةً اسمي لأعلم تمامًا أنها لم تكن مجردْ مارّة بين الكلمات العابرة !*

كانتْ فصلًا ربيعيًا أبديًا لم تجتاحها لفحاتُ خريفٍ بائسة !
مازلتِ كما أنتِ ..
تثيرين ضحكاتي الصاخبة في أرجائي التي غلبتها العتمة وأُطبقَ عليها الصمتُ ذاك المساء الفريد ،

فرحةً بلقائكِ واستمتاعًا بأحاديثكِ التي لا تخلو من مزاحٍ لم يكن لينفكَّ عنكِ منذُ الطفولة ..
هو أنتِ .. والبسمة وأنتِ وجهين لعملةٍ واحدة .
أتعلمين ؟!
هذا اليوم
هو حلمٌ تحقق .. ولا أكادُ أصدّق ..
يحقٌ لي أن لا أصدق وأنتِ تقطنينَ غزةَ الأبية ..
لم أشأ لأفتحَ بابًا لا يُسدُّ للجراح ..
ولم أشأ أن أغدقَ عليكِ أسئلةً دامية حينَ رسمتِ لي وجهًا حزينًا ما كان ليغيب عن مخيلتي منذُ لحظة ميلاده ..
تمنيتُ أن تكوني بخير .. وبخيرٍ فقط !
ومازلتُ أتشبثُ بأمنيتي ولا أزال حتى ألقاكِ هناك أو هنا ..
وأقرأُ بلسانكِ ما رددتهِ كثيرًا ذلك المساء ..

إلهي أعدني إلى وطني عندليب
على جنح غيمة
على ضوء نجمة
أعدني فلّة
ترف على صدري نبع و تلّة
إلهي أعدني إلى وطني عندليب
عندما كنتُ صغيرًا وجميلًا
كانت الوردة داري والينابيع بحاري
صارت الوردة جرحًا والينابيع ضمأ
هل تغيرت كثيرًا ؟
ما تغيرتُ كثيرًا
عندما نرجع كالريح إلى منزلنا
حدّقي في جبهتي
تجدي الورد نخيلًا والينابيع عرق
تجديني مثلما كنت صغيرًا وجميلًا * ( محمود درويش )

من مفردات العودة إلى ذاكرة الماضي بعيدًا عن ساحات المجازر وطلقات النار تلك التي ترسمُ في السماء لوحاتٍ نازفة !


14 جمادى الثانية 1430
للحديثِ تتمّة !

10 thoughts on “[ رَسَائِلَ مُغَلْغَلة ] (1)

  1. أيها الأحباب :
    كنتُ غارقة في بعض المهام وظروف أخرى طارئة !
    المعذرة وسأعود لكما وللجميع .

    بس بلاش وشوشات 🙂

  2. لستُ أنا .
    أهلاً بكِ وبحضوركِ المتكرر
    هاقد وضعتُ حروف جديدة أتمنى أن تكون وجهة الرحلة واضحة الآن
    ولا أدري قد أغيّرها إلى إتجاه آخر حسب ماتمليه علينا الأيام وربما الأحباب الراحلون !
    سعدتُ بكِ

    بشّامة ..
    مرحبًا بحضروركِ المتكرر الجميل
    هو كالماء يرويني حتمًا .

اترك رد