مهم إلى حدٍ ما

فلسفة المكان .

 

مُجبرون نحنُ على القيام بكثيرٍ من الأفعال دون رغبة ملحةٍ كانت أم غير ملحة! تمامًا كحين تدعونا الأماكن َ إليها، ولا نقوى إلاَّ أن نذعنَ لها ونسلّم أمرنا لدعوتها، فنجيءُ طوعًا وكرهًا.

اليوم كنتُ في مكانٍ ما، وصدقًًا أمقتُهُ ليسَ حدَّ الموت، ولكن إلى حدٍ يشبهه جدًا! ربما أبعدتني عنهُ الدروب فجهلتهُ، كجهلهِ هو بموطئ أقدامي! ببساطة اعتدنا أن نكره الجديد بكافة أشكالهِ وألوانه؛ لأننا بطبيعة الحال نتشبثُ -ولا نزال- عاطفيًا وفكريًا بما اعتدنا عليه، و نرى شيئًا منّا يُجتذب دون أدنى إرادة لإبطال مفعول المغناطيس الساكن فينا. كل الأشياء قابلة للعطل إلاّ المغناطيس. فهل بالإمكان إعمال مفعوله بطريقة راجعة؛ كي نحقق الفائدة الجليلة لنا منه، مادام أنه واقع لا يمكن محوه أو تجاهله أو إلغاؤه؟!

لنلقِ نظرة على ساحة الأحداث هذا اليوم، ولنقرأ في صفحاتها بعضَ العناوين التي تترجمها وجوه وأرواح من يعايشها عن قرب، واختر ماتشاء من فاكهة هذه الأحداث، ولنضرب على سبيل المثال (قضية الحوثيين وتسلّلهم إلى الحدود السعودية)، والنقطة التي أستهدف في هذه القضية هي: التغيير الواقع لا محالة وتبعاته الحتمية إثر الحدث. كيف يمكن لنا مواجهة هذا الحدث الجديد في أرضنا والتعايش مع حيثياته؟!

المغناطيس الذي ذكرته بدءًا يجذبنا إلى أشياء معدودة في حياتنا لا نرغب عنها بديلاً، ومن الممكن أن نجعلهُ يجذبنا إلى المستجدات والتحديات في حياتنا وبمحض إرادتنا .

عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال كلمةً شفيفة وفيها دلالة عظيمة على محور الهدف (تَحْدُثُ للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور)؛ بالطبع ثمّة علاقة بين قضايانا وبين توجه سلوك البشر، وآثار ونتائج ذلك السلوك هي القضايا التي في الميدان. فالطريقة إذن للاستفادة من ذلكم المغناطيس الجاذب هي بتكرار النظر منا إلى السلوك مؤثر القضايا؛ فالسلوكيات الخاطئة هي ما يجبهنا بقضايا تبدو لوهلة أنها معضلة ومستعصية على الحل، أو على أقل الأحوال هي قضايا لا يجب أبداً أن تكون، وتقويم السلوك لابد وأن يكون بمقاييس وقيم الحكمة؛ بمعنى عودتنا الحقة لمحكم الكتاب والسنة النبوية، وفهمنا وإيماننا يقينًا وتطبيقنا الوافي لما هدانا إليه ربنا من الحكمة.

هذه المراجعة لو لم تكن إلاّ لتجديد إيماننا بالحكمة لكفى ذلك لوجوبها وقدسيّتها. ويكفينا برهانًا على أن التجديد مفهوم إسلامي شامل وأصيل، على الرغم من عدم ذكرهِ بلفظهِ الصريح، إلاّ أن الإشارات إليه عديدة وجليّة لمن كان لهُ عقلُ وقلب، وعلى سبيل المثال لا الحصر يقول الله تعالى: (كنتم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس). ويقول عزَّ شأنه: (اليوم أكملتُ لكم دينكم). فالأولى تحملُ إشارة الخيرية على جميع الأمم، والثانية تحمل إشارة الكمال، وكلامهما يعبران وغيرهما الكثير عن مفهوم التجديد وعدم الجمود في الفكر الإسلامي، وتبقى الحكمة ضالّة المؤمن ودليله وهداه في مختلف الأمكنة والأزمنة والطوارئ والمستجدات.

إنَّ الأوضاع التي يعيشها المسلمون اليوم لا بدّ وأن تكون مشفوعة بأمرين لاينفصل أحدهما عن الآخر، وبهذا يتحقق التجديد الذي ينهض بأمتنا، و نروم إليه في أحلامنا وأعلامنا: الواقع المعيش، ووعي الإنسان، ومعرفته بما يدور حوله، وبالطبع لايتحقق هذا إلاّ على ضوء نبراس الحكمة المنزل من السماء .

ولكن ما المكان وما فلسفته التي أقحمتها هنا؟! إنّ المكان الذي يجرنا إليه -ولنكن جميعًا ذاك الجندي المرابط في حدود وطننا حبًا ودفاعًا – هذا المكان لم نشعر إلاّ ونحن بين أشرعته تكمنُ في تفاصيلهِ العديد من الهدايا والمفاجآت التي لم نلقِ لها بالاً ولم تزرْ أذهاننا بدءًا. حين نقتحمُ أسوار المكان الذي لم نحبذهُ وطفقنا مراراً نبتهلُ إلى ربنا أن يباعد بيننا وبين دروبه، لكنه بات هذا اليوم واقعًا! الأزمات تحلُّ بنا يلازمها تلقائيًا مفهوم التفاؤل، بل هو أحد مطالبها الملحة، فدونه توصدُ الأبواب أمام الحراك الفكري والإبداع التفكيري، وهنا حتمًا سنصافحُ أطراف “التجديد” الذي مافتئنا نبحثُ عن لافتاته.

المكان يدعونا إلى صناعة أرواح تتمازج مع النص والدين، وتتعايش مع العصر والتحديث. إنها دعوة لتمكين نفوسنا وإعدادها لكل ما قد يطرأ، ودعوة لتأسيس نفوسٍ تستشعر أن المفاجآت واردة، وبات غير المتوقع هو الأقرب توقعاً. ومع هذا لقد باتت دعوة رسولنا عليه السلام: “يا مقلب القلوب” وردًا نحافظ عليه مع كل شهيق وزفير؛ فالأمر توسّع توسّعاً يكاد يفقد العاقل توازنه، فكيف بمن هو دون ذلك؟!

إن تنشئة المكان الآمن هي الأقوى والأجدى وهي المؤثرة، لكن علينا أن نحسن التربية على المتغيرات، وكيف نتعامل مع القضايا الطارئة .

خلاصة القول: حياتنا واحدة لن تتكرر، ولكنَّ التاريخ هو من يكرر ذاته، والدروس تقرأُ نفسها على أوراق السنين، والمعاني خالدة لا يمحوها جهلُ بني البشر، وديننا الحنيف شجرةٌ طيبة أصلها ثابتٌ في السماء وفرعها في الأرض في شتّى البقاع. فكلما أعيتنا مدلهمات الحياة وجدنا ظلال أوراقها ممدودة تطوقنا من كل جانب، وثمار الحكمة يانعة متدلية تنتظرُ عطفَ أحد المارين بجانبها ليقطفها!

رابط المقال في موقع الإسلام اليوم :

http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-40-123246.htm

 

4 thoughts on “فلسفة المكان .

  1. أروى .. حكمة بالغة هنا
    ألم أقل إني أشتم الفلسفة ..
    أتعلمين ..
    أصبحتُ أحبها من حرفك
    وكانت الخلاصة عذباً زلالاً
    (( ببساطة اعتدنا أن نكره الجديد بكافة أشكالهِ وألوانه))
    وهذا هو حالنا دائماً
    أذكر ياأروى إنك قلتِ يوماً .. إنك مُتغبطة بالجديد والقادم
    وكنتُ كلكِ فرحاً بما سيأتي
    فربطي لي بين هذا وذاك ..
    .. ليس لشيء ..
    إنما لأني قطعاً أعلم أن ربطكِ سيحملُ الكثير
    أأنتظر .. ؟!

    ودي وحبي

  2. أهلاً بالفصول الربيعية ..
    حضورك بحق كالربيع في هذا الفصل الجليدي القارس
    ..
    مممممم ..
    أتعلمين ؟ لا أدري أين قلت هذا ، لكنني حتمًا قلته 🙂
    حسنًا أطمع بدعائك ، وسأخبرك قابلاً بأحلامٍ عظاااام جدًا لكنها في ذاك الوقت ستصبحُ حقائق مبهرة ..
    دعائكِ وحسب يارائعة 🙂

    كل الود والتقدير .

اترك رد