مهم إلى حدٍ ما

وعودٌ ,, وزهرة سوسن تبحثُ عن مكان !

ملأى بالوعود ، وقاسٍ للغاية هو هذا الشعور !
يقذفني على قارعة مساء مأهولة بالضباب والبشر ، وعلى مسمع أوتار ترتعشُ .. لا .. ليس بردًا ..
امممـ بل قد يكون بردٌ من نوعٍ آخر ! فتعلو إثر الرعشة سيمفونية مختلفة جدًا نسجت قصة متعددة الفصول لكنها بكل أسف لم تنثر سوى أحرف موسومة بالفوضى !

كرسيٌ أسودٌ متحركٌ .. لايقفْ ولا يعرفُ سوى الدوران !
يقبعُ خلف مكتبٍ أشدُّ سوادًا ولم يمنعهُ السواد أن يكون أنيقًا ..
كتبٌ فوقه .. غلفتها أغبرةٌ ذهبيةٌ .. فزادت من حجم الحجاب الحاجز بيني وبين ذاك الكرسي المتحرك ؛ يدور حول ذاته يبحثُ عن صاحبٍ له ليعيرهُ قيمته كـ ( كرسي ) ولكن لا أحد .. ومن الجدوى أن يذهب _ الكرسي _تحت الثرى في أقرب نصف لحظة كي لا يذهب جهدهُ المنثور هباءًا سدى !!
ياللعبث ؛ إنّه لا يعدو عن كونهِ هباءًا مضروب في سدى لتكون النتيجة لاشيء !

عتمة تخنقُ صندوق رسائلٍ مصنوعٌَ من خشب الصنوبر ،، ومعبّقُ منذ زمنٍ ليس بالقريب بزهرة السوسن .. كانت ولا تزال تروي على أوراقها الأرجوانية حكاية مسافر مجهول الهوية يبحثُ عن نفسهُ في قاع كأسها وبين بتلاتها الناعمة ! يقول لنفسه تارات نادرة ؛ لقد وجدتني ثمَّ مايلبثُ إلاّ أن يعود لصومعة الفقد الأليم !!

عبقُ السوسن ،، غاااادر المكان ، لم يعد يعانقُ قسمات وجهي كما كان يفعلُ كل صباحٍ غائم مقطرٍ بالندى!
أتراهُ نفذَ بجلدهِ الوهميّ الأخاذ ، نشعرُ بهِ يخترقُ جوارحنا ولا نراه ؟!
أتُرى قد اختنقَ ؟! ورحلَ يستنشقُ عبقَ البنفسجُ المنثور ليمدَّ ساعدهُ لحيارى السبل ؛ فيصافحُ صفحاتٍ بيضاء عدّة ،، كادت أن تكون ردحًا طويلاً من الزمن سوداء ملطخة بلونٍ أحمرٍ يشبهُ الدَّمْ .. تحملُ لافتةً صفراء فاقعة فحواها : ثمّة خطوط حمراء اجتيزت بنجاح !!
ولكنَّ الله لطيف ،،

16 صفر1431

مهم إلى حدٍ ما

العمل التطوعيّ .. أحلامٌ وتطلعات .

“أحب الناس إلى الله؛ أنفعهم للناس”، في هذا القول النبوي الكريم يتجلّى سمو المعنى، و ينكشفُ علو المقصد، تتجسدُ قوة المبنى بعقدٍ متين من الأفضلية يربط بين محبة الله ونفع الناس.

بالأمس كان العمل التطوعي أشبه بحلم يسكنُ في الأذهان ويغفو بين طيّاتِ الوجدان، كان لايعدو عن كونهِ واجبًا اجتماعيًا إن قام بهِ البعض سقط تلقائيًا عن البقية. نعم لم تأتِ الشريعة بنصوص مباشرة تفرض العمل التطوعي، ولكن مما لاشكَّ فيه أنه فرض كفاية تأثم الأمة جمعاء عند تركه استنادًا على قول للمفكر محمد عمارة: “فروض الكفايات آكد من فروض الأعيان؛ وذلك عندما لا تتحقق الكفاية؛ لأن فروض الكفايات تأثم الأمة جمعاء عند تركها، أما فروض الأعيان، فإن الفرد وحده يأثم عند تركها“.

وتكفينا تلك النصوص المحفزة على الخوض في تفاصيله لاسيما وقد رُبط العمل التطوعي بالخير والنفع الذي سيعودُ على كافة الأصعدة، ولأنهُ مجالٌ غير ربحي فإنَّ الله شاكرٌ عليم. العمل التطوعي متعديةٌ منافعه ومقاصده، إضافةً لكونهِ تعبيراً عن حسّ إنساني رفيع، منبعهُ قيم ومبادئ إسلامية، هو ثقافة تحملُ أفكارًا وتصوراتٍ ورؤى مختلفة، وهو كذلك تربية ذاتية عميقة مراحلية يبدأ تعريفها بمبادرة من ذات الإنسان، وعن قناعة خالصة منها محاطة بسياجٍ من الصدق والإخلاص وحب الخير.

يقول ليو تولستوي: “الجميع يفكر بتغيير العالم، ولا أحد يفكرُ بتغيير نفسه”. هذا الحلم العالمي الذي يفكرُ فيه الجميع سيتحقق حتمًا لو تحقق  المنفي في الشطر الثاني من قول هذا المفكر! فالفرد هو ضمن منظومة هذا العالم الكبير، و بالعمل التطوعي يحصل التغيير على مستوى الأفراد، وبالتالي على مستوى الجماعات.

فلو حاول كل امرئ أن يغيّر من نفسه لحصلت ثورة تطوعية كبيرة عالمية تستهدفُ التغيير الفكري، و الاجتماعي، و الأخلاقي، و السياسي، و الاقتصادي، و الإداري، و التنموي. وبهذا يحقق المرء ما تضمنته الوثيقة الربانية من هدف عالمي يتشارك فيه الجميع؛ استخلاف الأرض وعمارتها.

من أصعب الأمور أن يكتفي الإنسان بالحلم بأعطيات عظيمة وفق معطيات بسيطة. فالتفكير في إطار الأحلام مجدٍ، بيد أنَّ الاندفاع والمواجهة والمشاركة والتعاطي مع مجريات الحياة هو الأجدى والأجدر، وهنا يكمنُ المعنى الأرقى للتطوع، ويبدأ الغرس بالتنامي شيئًًا فشيئًا، وما جاءتِ الأرزاق  يومًا إلاَّ تباعًا.

إنّ الخير يكمنُ في النفس البشرية، و للتنشئة الأولى الدور الأكبر في تربية الأجيال على المبادرة وتقديم الخير، وثمّة حكمة جليلة وعميقة تقول: “إذا أردنا مساعدة الأطفال حتى يكونوا مواطنين اجتماعيين فإنه لا مناص من وضع هذه المرحلة الحساسة والحرجة من عمر الإنسان تحت مجهر البحث وتناولها بالتشريح والدراسة المستفيضة، مما يجعل موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غاية الضرورة“.

ألقيتُ ذات يوم نظرة طويلة في ساحاتٍ واقعية وأخرى افتراضية، فلفت انتباهي عناوين تحملُ معنًى إيجابيّاً: (نادي نحيا بإتقان)، و ( نادي أصدقاء البيئة)، و (حملة الجسد التطوعي)، و (بسمتنا لهم)، و (نادي جدة التطوعي)، و (نادي الخبر التطوعي)… ، تلك مسميات وغيرها كثير، لحملات وأندية تطوعية جمعتْ طاقات الشباب والفتيات، ورسمت جهودًا كانت ولا تزال مشهودة، وهذا أمرٌ يبشّرُ بخيرٍ عظيم، وإن كانت جهودًا فردية أو جماعية بسيطة، إلاّ أن وجودها على أرض الواقع  ينبئنا بميلادٍ جديد لنهضة قادمة تقودها عزيمة الشباب، وكم يحتاج الميلاد – أيًا كان – لرعايةٍ خاصة وتأهيلٍ شامل يقيهِ برْد التخبطات العشوائية ويضيء مسارات طريقه المجهول. إن الجهود – وبمختلف توجّهاتها وأفكارها – تفتقر تمامًا لحاضنة كبرى تجمعُ شتات البذل، ومرجعية تخصصية يلجأ إليها متوقدو الهمم.

فلو كانت لدينا تلك المنظمات التطوعية بأهدافها وخططها وتنظيمها ومدارسها الفكرية المتعددة، لأصبحت هناك استعدادية بالغة لممارسة الأعمال التطوعية وبمختلف المجالات، بخطوات واضحة مدروسة ودائمة، ولأدّى هذا إلى تقلّصِ كثيرٍ من المشكلات المحليّة، ولنأخذ آخر حدثٍ محليّ (سيول جدة) – على سبيل المثال – لأصبحَ هناك  تأهُّب تام لمثله ولصدِّ كل عارض أو كارثة، وقد تكون سببًا في الإقلال من وقوع الكوارث والمحن بحكم الاستمرارية في العمل والعطاء.

وكم يؤسفني أن أقول بلغ عدد المنظمات التطوعية في الكيان الصهيوني مؤخرًا أكثر من 40.000 منظمة!

أتركُ الرقم يبحرُ في خيالاتكم.. ويا أحلامُ حلقي كما حلَّق حلم الأيرلندي يومًا:

عندما شببتُ عن الطوق لأصبح رجلاً

رجوتُ نفسي ألاّ أكون أنانيًا قاسي المشاعر

هذا ماتمنّيته، يومًا ما أكون نافعًا

فهل يذهبُ هذا الأمل عني عندما تصبحُ بلدي أمةً تارة أخرى؟!”

رابط المقال في موقع الإسلام اليوم : http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-43-126422.htm

كتب

كتاب ( الوعي والفن ) .

كتاب الوعي والفن عبارة عن مجموعة من الدراسات التاريخية المتعلقة بالصورة الفنية .وحين ندلفُ إلى هذا المجال إطلاعًا أو دراسة أو بحثًا يجب أن نضعَ في أذهاننا ثلاثة أمورٍ هي الفن باختصار شديد . المادة والفكرة والفعل ، فمن أين تأتي المادة ؟ ومن أين تنبعُ الفكرة وكيفَ يبدأُ صاحب الفكرة الأساس وهو الإنسان بهذا الفعل والذي يسمى في نهاية المطاف بـ العمل الفني أيًا كان نوعه رسمًا تشكيليًا أم رسمًا كلاميًا وكلاهما يسكنان في دائرة الإبداع . يقول مؤلف الكتاب غاتشف : ” إن قدرة الإنسان الاجتماعي اللامتناهية على خلق الأشياء الواقعية والمتخيلة ، وعلى التعامل مع أي مادة أو حادثة أو فكرة وعلى نظم هذه الأشياء وتنسيقها ( طبقًا لقوانين الجمال ) وعلى تكوين انسجام منها ، وعلى جعل كل واقعة حياتية أو معاناة ( تسمو لتصبح درة إبداع ) كل أولئك هو المضمون الذي يغترفه النشاط التشكيلي المحض من ذات نفسه . وليس عبثًا أن المقولة الأساسية في فلسفة أرسطو هي ( الشكل الناشط )الذي ينطوي على العمل البشري ولا شيء غيره .! “

فما هو الفن وما هو الوعي ؟

الفن كما قال عنه الكاتب في مطلع كتابه متسائلاً : أهو تفكير فني ، معرفة ، انعكاس ، أم هو نشاط وإنتاج؟ إن جوهر هذه المسألة كلها يكمن في أن الفن يحوي في ذاته كلا هذين الشكلين من أشكال الوجود الإنساني في وقت واحد. ولكن من البديهي أن الفن في مختلف مراحل تطوره وفي شتى أنواعه وأجناسه يعطي المقام الأول لجانبه التربوي – التغييري تارة ، ولجانبه المعرفي – الانعكاسي تارة أخرى .

ويتجلّى في سياق الحديث جانبًا مهمًا من مفهوم الوعي الفني حيث يقول : إن الوعي بعد أن ينبثق من الوجود يسمو فوق الوجود ، إلا أنه أصغر منه . وهنا يتبين أن المبدأ المباشر – واللاواعي بهذا المعنى – يحافظ على حقه في الوجود حتى عند ظهور الفكرة باعتباره يقوم مباشرة ودونما وساطة الفكرة العقلية بإطلاعنا على ( القوى الجوهرية ) للوجود وللإنسانية على ماسوف يسمى فيما بعد ( الحياة الحيّة ) و لاشك أن ثمة تناقض في مراحل تطور فن الأدب وهو ما يجعلهُ مميزًا . وثمّة علاقة وطيدة بين الوعي والفن.

الكتاب يحوي على إجابات علمية دقيقة عن كيف ظهر الفن في حياة الإنسان ؟ وكيف بدأ الوعي البشري ينبثق لديه ويكتشف الكثير من الصور الفنية الكفيلة بتطور الفن على مدى العصور وحتى مشارف القرن العشرين .

ومامدى علاقة الطبيعة بكليهما – الوعي والفن – وكيف استطاع الإنسان أن يكون ذو سلطان عليها بعد أن كان لا يتناقض معها في بداياته!

ينقسم الكتاب إلى قسمين وتمحور الحديث في القسم الأول عن نشوء الصورة الفنية ” .فالعلاقة بين مختلف جوانب الصورة ؛ أي بين الحسي والعقلي ؛ بين المعرفي والإبداعي ، إنما تعكس على نحو دقيق ومباشر نمط العلاقات بين الفرد والمجتمع في كل عصر ، كما أنها ترتبط بهذا النمط أوثق ارتباط”

وتدرجّ المؤلف بالحديث عن مراحل تطور الفكر الفني لدى الإنسان واتضح جليًا أن الإنسان استطاع أن يخرجَ من سلطة الطبيعة على أفكاره ومشاعره بواسطة العمل : ” إنه يعيش لذة مبعثها عملية العمل نفسها ن ونشاطه الحر ، مبعثه فعله التشكيلي في صورته التشكيلية المحض التي لاتثقلها الضرورة ، وهذا الإنسان خاضعًا للطبيعة ، إن الظروف عندئذ هي التي ستحدد أفعاله ورغباته ، وسيكون هو عبد تلك الظروف .!

ولكن القدرة الكلية للعمل الاجتماعي هناك ، في تجليها الواحد ، ستكون رهنًا بملايين المصادفات المجهولة ، ويمكن ألا تتحقق . بيد أن ذلك غدًا سيكون ، وبإمكاني خلق جميع الظروف وجميع الحيثيات وأتصرف بحرية في داخلها

هذا الإنسان يملك في داخلهِ قوى جوهرية لن تتحقق إلا بالعمل وهذه الطبيعة لن تتغير إلا بواسطة عمل الإنسان إنه في هذه اللحظة ينضم إلى مملكة الحرية !

أما القسم الثاني فكان محور الاهتمام عن تطور الوعي الفني في الأدب .أوضحَ فيهِ بدءًا وبشكلٍ مفصّل نمط الانتقال من الصورة القديمة إلى نمط الصورة الأوروبية الجديدة ، وتحديدًا في الوعي الفني الروماني وفي قصيدة هوراس الشهيرة ” التمثال ” ..” أصبح مناط القيمة وبالتحديد في روما هو سيرة الشاعر الذاتية  , وحياته كحدث  وحسب ، وعمله بوصفه عملية مستمرة أيضًا ” واستمرت مسيرة

التطور مرورًا بالأدب الأوروبي القديم إلى الأدب المسيحي ثمّ مرتْ بفترة ركود في القرون الوسطى مالبثت أن تنتهي بإثارة حركة عاصفة في تاريخ الأدب إبّان عصر النهضة ،إنها حركة تجنح إلى السلبية كما وصف مؤلف هذا الكتاب . ” أنّ ثمة مبدأ مثّل جانبًا سلبيًا وهو الذي ينطلق من وجهة نظر الإنسان الذي ليس له خارج ذاته أي حدود ”

في القرن التاسع عشر تمّ تدارك هذه السلبية والتي تجلت فيه نظرية الكلاسيكية بشكل كبير .إلى غيرها من المراحل المهمة التي مرّ بها .

الكتاب تابع لسلسلة عالم المعرفة الصادر عن المجلس الوطني في الكويت ويقع في مائتين وثلاثٍ وتسعين صفحة لمؤلفهِ غيورغي غاتشف ومترجم بواسطة د . نوفل نيوف .

هذه القراءة نشرت في ملحق عائلتي التابعة لمجلة الإسلام اليوم ( عدد ذو القعدة 1430 ) .