كتب

كتاب ( الوعي والفن ) .

كتاب الوعي والفن عبارة عن مجموعة من الدراسات التاريخية المتعلقة بالصورة الفنية .وحين ندلفُ إلى هذا المجال إطلاعًا أو دراسة أو بحثًا يجب أن نضعَ في أذهاننا ثلاثة أمورٍ هي الفن باختصار شديد . المادة والفكرة والفعل ، فمن أين تأتي المادة ؟ ومن أين تنبعُ الفكرة وكيفَ يبدأُ صاحب الفكرة الأساس وهو الإنسان بهذا الفعل والذي يسمى في نهاية المطاف بـ العمل الفني أيًا كان نوعه رسمًا تشكيليًا أم رسمًا كلاميًا وكلاهما يسكنان في دائرة الإبداع . يقول مؤلف الكتاب غاتشف : ” إن قدرة الإنسان الاجتماعي اللامتناهية على خلق الأشياء الواقعية والمتخيلة ، وعلى التعامل مع أي مادة أو حادثة أو فكرة وعلى نظم هذه الأشياء وتنسيقها ( طبقًا لقوانين الجمال ) وعلى تكوين انسجام منها ، وعلى جعل كل واقعة حياتية أو معاناة ( تسمو لتصبح درة إبداع ) كل أولئك هو المضمون الذي يغترفه النشاط التشكيلي المحض من ذات نفسه . وليس عبثًا أن المقولة الأساسية في فلسفة أرسطو هي ( الشكل الناشط )الذي ينطوي على العمل البشري ولا شيء غيره .! “

فما هو الفن وما هو الوعي ؟

الفن كما قال عنه الكاتب في مطلع كتابه متسائلاً : أهو تفكير فني ، معرفة ، انعكاس ، أم هو نشاط وإنتاج؟ إن جوهر هذه المسألة كلها يكمن في أن الفن يحوي في ذاته كلا هذين الشكلين من أشكال الوجود الإنساني في وقت واحد. ولكن من البديهي أن الفن في مختلف مراحل تطوره وفي شتى أنواعه وأجناسه يعطي المقام الأول لجانبه التربوي – التغييري تارة ، ولجانبه المعرفي – الانعكاسي تارة أخرى .

ويتجلّى في سياق الحديث جانبًا مهمًا من مفهوم الوعي الفني حيث يقول : إن الوعي بعد أن ينبثق من الوجود يسمو فوق الوجود ، إلا أنه أصغر منه . وهنا يتبين أن المبدأ المباشر – واللاواعي بهذا المعنى – يحافظ على حقه في الوجود حتى عند ظهور الفكرة باعتباره يقوم مباشرة ودونما وساطة الفكرة العقلية بإطلاعنا على ( القوى الجوهرية ) للوجود وللإنسانية على ماسوف يسمى فيما بعد ( الحياة الحيّة ) و لاشك أن ثمة تناقض في مراحل تطور فن الأدب وهو ما يجعلهُ مميزًا . وثمّة علاقة وطيدة بين الوعي والفن.

الكتاب يحوي على إجابات علمية دقيقة عن كيف ظهر الفن في حياة الإنسان ؟ وكيف بدأ الوعي البشري ينبثق لديه ويكتشف الكثير من الصور الفنية الكفيلة بتطور الفن على مدى العصور وحتى مشارف القرن العشرين .

ومامدى علاقة الطبيعة بكليهما – الوعي والفن – وكيف استطاع الإنسان أن يكون ذو سلطان عليها بعد أن كان لا يتناقض معها في بداياته!

ينقسم الكتاب إلى قسمين وتمحور الحديث في القسم الأول عن نشوء الصورة الفنية ” .فالعلاقة بين مختلف جوانب الصورة ؛ أي بين الحسي والعقلي ؛ بين المعرفي والإبداعي ، إنما تعكس على نحو دقيق ومباشر نمط العلاقات بين الفرد والمجتمع في كل عصر ، كما أنها ترتبط بهذا النمط أوثق ارتباط”

وتدرجّ المؤلف بالحديث عن مراحل تطور الفكر الفني لدى الإنسان واتضح جليًا أن الإنسان استطاع أن يخرجَ من سلطة الطبيعة على أفكاره ومشاعره بواسطة العمل : ” إنه يعيش لذة مبعثها عملية العمل نفسها ن ونشاطه الحر ، مبعثه فعله التشكيلي في صورته التشكيلية المحض التي لاتثقلها الضرورة ، وهذا الإنسان خاضعًا للطبيعة ، إن الظروف عندئذ هي التي ستحدد أفعاله ورغباته ، وسيكون هو عبد تلك الظروف .!

ولكن القدرة الكلية للعمل الاجتماعي هناك ، في تجليها الواحد ، ستكون رهنًا بملايين المصادفات المجهولة ، ويمكن ألا تتحقق . بيد أن ذلك غدًا سيكون ، وبإمكاني خلق جميع الظروف وجميع الحيثيات وأتصرف بحرية في داخلها

هذا الإنسان يملك في داخلهِ قوى جوهرية لن تتحقق إلا بالعمل وهذه الطبيعة لن تتغير إلا بواسطة عمل الإنسان إنه في هذه اللحظة ينضم إلى مملكة الحرية !

أما القسم الثاني فكان محور الاهتمام عن تطور الوعي الفني في الأدب .أوضحَ فيهِ بدءًا وبشكلٍ مفصّل نمط الانتقال من الصورة القديمة إلى نمط الصورة الأوروبية الجديدة ، وتحديدًا في الوعي الفني الروماني وفي قصيدة هوراس الشهيرة ” التمثال ” ..” أصبح مناط القيمة وبالتحديد في روما هو سيرة الشاعر الذاتية  , وحياته كحدث  وحسب ، وعمله بوصفه عملية مستمرة أيضًا ” واستمرت مسيرة

التطور مرورًا بالأدب الأوروبي القديم إلى الأدب المسيحي ثمّ مرتْ بفترة ركود في القرون الوسطى مالبثت أن تنتهي بإثارة حركة عاصفة في تاريخ الأدب إبّان عصر النهضة ،إنها حركة تجنح إلى السلبية كما وصف مؤلف هذا الكتاب . ” أنّ ثمة مبدأ مثّل جانبًا سلبيًا وهو الذي ينطلق من وجهة نظر الإنسان الذي ليس له خارج ذاته أي حدود ”

في القرن التاسع عشر تمّ تدارك هذه السلبية والتي تجلت فيه نظرية الكلاسيكية بشكل كبير .إلى غيرها من المراحل المهمة التي مرّ بها .

الكتاب تابع لسلسلة عالم المعرفة الصادر عن المجلس الوطني في الكويت ويقع في مائتين وثلاثٍ وتسعين صفحة لمؤلفهِ غيورغي غاتشف ومترجم بواسطة د . نوفل نيوف .

هذه القراءة نشرت في ملحق عائلتي التابعة لمجلة الإسلام اليوم ( عدد ذو القعدة 1430 ) .

6 thoughts on “كتاب ( الوعي والفن ) .

  1. جميل ..

    من باب الأطلاع لاأكـثر
    سأحرص على أقتناؤه
    شكراً ياكريمة ونأسف لأزعاجكم 🙂

  2. قراءة متأنية يا أروى ..
    يبدو أن بداخل الكتاب ثروة معلوماتية دسمة ..

    إلى روح سماوية (من بعد إذنك أروى) :
    نفتقد مساحتكِ الخاصّة 🙂

اترك رد