مهم إلى حدٍ ما

العمل التطوعيّ .. أحلامٌ وتطلعات .

“أحب الناس إلى الله؛ أنفعهم للناس”، في هذا القول النبوي الكريم يتجلّى سمو المعنى، و ينكشفُ علو المقصد، تتجسدُ قوة المبنى بعقدٍ متين من الأفضلية يربط بين محبة الله ونفع الناس.

بالأمس كان العمل التطوعي أشبه بحلم يسكنُ في الأذهان ويغفو بين طيّاتِ الوجدان، كان لايعدو عن كونهِ واجبًا اجتماعيًا إن قام بهِ البعض سقط تلقائيًا عن البقية. نعم لم تأتِ الشريعة بنصوص مباشرة تفرض العمل التطوعي، ولكن مما لاشكَّ فيه أنه فرض كفاية تأثم الأمة جمعاء عند تركه استنادًا على قول للمفكر محمد عمارة: “فروض الكفايات آكد من فروض الأعيان؛ وذلك عندما لا تتحقق الكفاية؛ لأن فروض الكفايات تأثم الأمة جمعاء عند تركها، أما فروض الأعيان، فإن الفرد وحده يأثم عند تركها“.

وتكفينا تلك النصوص المحفزة على الخوض في تفاصيله لاسيما وقد رُبط العمل التطوعي بالخير والنفع الذي سيعودُ على كافة الأصعدة، ولأنهُ مجالٌ غير ربحي فإنَّ الله شاكرٌ عليم. العمل التطوعي متعديةٌ منافعه ومقاصده، إضافةً لكونهِ تعبيراً عن حسّ إنساني رفيع، منبعهُ قيم ومبادئ إسلامية، هو ثقافة تحملُ أفكارًا وتصوراتٍ ورؤى مختلفة، وهو كذلك تربية ذاتية عميقة مراحلية يبدأ تعريفها بمبادرة من ذات الإنسان، وعن قناعة خالصة منها محاطة بسياجٍ من الصدق والإخلاص وحب الخير.

يقول ليو تولستوي: “الجميع يفكر بتغيير العالم، ولا أحد يفكرُ بتغيير نفسه”. هذا الحلم العالمي الذي يفكرُ فيه الجميع سيتحقق حتمًا لو تحقق  المنفي في الشطر الثاني من قول هذا المفكر! فالفرد هو ضمن منظومة هذا العالم الكبير، و بالعمل التطوعي يحصل التغيير على مستوى الأفراد، وبالتالي على مستوى الجماعات.

فلو حاول كل امرئ أن يغيّر من نفسه لحصلت ثورة تطوعية كبيرة عالمية تستهدفُ التغيير الفكري، و الاجتماعي، و الأخلاقي، و السياسي، و الاقتصادي، و الإداري، و التنموي. وبهذا يحقق المرء ما تضمنته الوثيقة الربانية من هدف عالمي يتشارك فيه الجميع؛ استخلاف الأرض وعمارتها.

من أصعب الأمور أن يكتفي الإنسان بالحلم بأعطيات عظيمة وفق معطيات بسيطة. فالتفكير في إطار الأحلام مجدٍ، بيد أنَّ الاندفاع والمواجهة والمشاركة والتعاطي مع مجريات الحياة هو الأجدى والأجدر، وهنا يكمنُ المعنى الأرقى للتطوع، ويبدأ الغرس بالتنامي شيئًًا فشيئًا، وما جاءتِ الأرزاق  يومًا إلاَّ تباعًا.

إنّ الخير يكمنُ في النفس البشرية، و للتنشئة الأولى الدور الأكبر في تربية الأجيال على المبادرة وتقديم الخير، وثمّة حكمة جليلة وعميقة تقول: “إذا أردنا مساعدة الأطفال حتى يكونوا مواطنين اجتماعيين فإنه لا مناص من وضع هذه المرحلة الحساسة والحرجة من عمر الإنسان تحت مجهر البحث وتناولها بالتشريح والدراسة المستفيضة، مما يجعل موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غاية الضرورة“.

ألقيتُ ذات يوم نظرة طويلة في ساحاتٍ واقعية وأخرى افتراضية، فلفت انتباهي عناوين تحملُ معنًى إيجابيّاً: (نادي نحيا بإتقان)، و ( نادي أصدقاء البيئة)، و (حملة الجسد التطوعي)، و (بسمتنا لهم)، و (نادي جدة التطوعي)، و (نادي الخبر التطوعي)… ، تلك مسميات وغيرها كثير، لحملات وأندية تطوعية جمعتْ طاقات الشباب والفتيات، ورسمت جهودًا كانت ولا تزال مشهودة، وهذا أمرٌ يبشّرُ بخيرٍ عظيم، وإن كانت جهودًا فردية أو جماعية بسيطة، إلاّ أن وجودها على أرض الواقع  ينبئنا بميلادٍ جديد لنهضة قادمة تقودها عزيمة الشباب، وكم يحتاج الميلاد – أيًا كان – لرعايةٍ خاصة وتأهيلٍ شامل يقيهِ برْد التخبطات العشوائية ويضيء مسارات طريقه المجهول. إن الجهود – وبمختلف توجّهاتها وأفكارها – تفتقر تمامًا لحاضنة كبرى تجمعُ شتات البذل، ومرجعية تخصصية يلجأ إليها متوقدو الهمم.

فلو كانت لدينا تلك المنظمات التطوعية بأهدافها وخططها وتنظيمها ومدارسها الفكرية المتعددة، لأصبحت هناك استعدادية بالغة لممارسة الأعمال التطوعية وبمختلف المجالات، بخطوات واضحة مدروسة ودائمة، ولأدّى هذا إلى تقلّصِ كثيرٍ من المشكلات المحليّة، ولنأخذ آخر حدثٍ محليّ (سيول جدة) – على سبيل المثال – لأصبحَ هناك  تأهُّب تام لمثله ولصدِّ كل عارض أو كارثة، وقد تكون سببًا في الإقلال من وقوع الكوارث والمحن بحكم الاستمرارية في العمل والعطاء.

وكم يؤسفني أن أقول بلغ عدد المنظمات التطوعية في الكيان الصهيوني مؤخرًا أكثر من 40.000 منظمة!

أتركُ الرقم يبحرُ في خيالاتكم.. ويا أحلامُ حلقي كما حلَّق حلم الأيرلندي يومًا:

عندما شببتُ عن الطوق لأصبح رجلاً

رجوتُ نفسي ألاّ أكون أنانيًا قاسي المشاعر

هذا ماتمنّيته، يومًا ما أكون نافعًا

فهل يذهبُ هذا الأمل عني عندما تصبحُ بلدي أمةً تارة أخرى؟!”

رابط المقال في موقع الإسلام اليوم : http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-43-126422.htm

4 thoughts on “العمل التطوعيّ .. أحلامٌ وتطلعات .

  1. ليتنا نعزز من العمل التطوعي في جانبة الإجتماعي والخدماتي ونحترف مفهومة
    النبيل بعيداً عن الفلاشات والمانشتات فنحن أخص وأولى به من المجتمعات الغربية التي
    يكاد يكون لديها هذا الأمـر فرض واجب وسنه ثابتة من الجانب الإنساني والإجتماعي الخدماتي
    النهضوي

    كل معاني الشكر جاثمة هنا

  2. والله ياأروى حروفك من ذهب00
    ماتحدثت عنه هو حديث اليوم والساعه العمل التطوعي أصبح بحد ذاته ثقافه كبيرة تحتاج إلى فهم حقيقي ,,وأما ماأدليتي به عن تغير الأنفس فهو حقيقة لامٌحال هذا المعنى لو عملنا به نجحنا كثيرا في العمل التطوعي لكن حقا ماذكرتيه ياأروى ورفع الله قدرك بماذ كرتيه وأسأل الله أن يأجر الجميع00

    وشكرا لانهايه لها0

  3. لستُ أنا :
    لاشك أن العمل التطوعي ذو صبغة إسلامية جذرية عميقة لو تأملنا ، لكن المشكلة تكمن في التربية لدينا والتي لم تعمق أصولهُ في ذوات الأبناء والبنات .

    ولك ذات المعاني من الشكر .

اترك رد