آخرون

مع العظماء [ 1 ] : د. عبدالوهاب المسيري -رحمهُ الله-

ولد عبد الوهاب المسيري في اليوم الثامن من أكتوبر لعام 1938، في قرية  دمنهور والمدينة كما وصفها أيضًا  والتي تميزت بالحياة التقليدية ضمن حديثهِ عنها في كتابهِ ( رحلتي الفكرية )! عاش مثقفًا ومفكرًا إسلاميًا وأديبًا وفيلسوفًا ، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية وتقع في ثمان مجلدات كبيرة الحجم ،  ابتدأها في الثلاثينات من عمره فكان يعملُ فيها ليل نهار، يبتدئ أحيانًا من السادسة صباحًا ولا ينتهي إلاّ في الثانية عشرة من منتصف الليل ! ، تمتعَ طيلة عملهِ بالموسوعة بصحة جيدة ولم يعاني من أي مرض إلاّ نوبات خفيفة معتادة ويقول ” كنت أكثرُ نشاطًا في الثامنة والخمسين مني في الخامسة والثلاثين ، لذا حينما يحدثني أحد عن التقدم في السن كنت لا أفهم مايقول ! ” ولكنه بعد انتهاءِه من الموسوعة ، بدأ يشعر بنوبات تعب من دوار تجعلهُ يسقط على الأرض مرة ومرتين في اليوم  كلما فكر أو مارس أي أحاسيس ، ويقول معبرًا عن هذه الحالة : ” مرضي كان في معظمه نفسيًا ، نتيجة للإرهاق الذي أصابني من جراء العمل المتواصل في الموسوعة ” ، ثمّ ابتدأت معاناة مرضه  مع السرطان لسنوات طويلة . حتى توفي رحمه الله في الثالث من يوليو لعام 2008 عن عمرٍ ينهاز السبعين سنة .

المسيري رحمه الله يعشق البراءة ، ويتسم بشخصية هادئة متقبل للنقد ، وصاحب روح رياضية عالية ، يعشقُ الجمال والفن ومما قاله في حوارٍ مع الجزيرة ( أعشق كل الأعمال الفنية والأدبية التي تعبر عن نبل الإنسان ومقدرته على تجاوز الحدود المادية ! )

صاحب فكاهة وهي حاضرة دائمًا في حياته رحمه الله ويقول معبرًا عنها : ( النكتة جزء من الشخصية المصرية وأن النكتة ليست مجرد التنفيس وإنما التفسير، محاولة التعامل مع الواقع، محاولة الاحتجاج عليه أيضا، يعني وظائف النكتة كثيرة.)

كثيرًا ماتحيرني دورة الموضة ، وقدرتها على إقناعنا بجودة الموضة المطروحة لهذه السنة وجعلنا ننقاد إليها دون تأمل أو تفكير ، أنا أحتار حقًا من مسألتها ، وليس الحديث هنا عن الموضة لكن استوقفني مايقوله المسيري رحمه الله حولها : (أرى أن الاستهلاكية ستهلك الإنسان، تجعله يجري وراء الأشياء بدل أن يستخدمها وهذا ما يحدث الآن يعني مسألة الموضة، الموضة الهدف منها القذف في الإنسان في دوامة بحيث أنه يغير ملابسه أربع مرات كل سنة ). وبالمناسبة ؛ كان المسيري ثريًا لكنه متقشف بلباسه وعاداته ، وكان لايزال منافحًا عن الفقراء وحقوقهم لذا تأسست بقيادته ( حركة كفاية) التي قال عنها ” حركة كفاية وكل حركات المعارضة تشعر أن مصر وصلت إلى نقطة النهاية، لأن النظام لم يعد قادرا على اكتساب أي شكل من أشكال الشرعية فهو مستمر في نهب مصر مستمر في البطش بكل أشكال المعارضة ” كان يهذي بالفقراء طيلة فترة علاجه من مرض السرطان !

من الماركسية إلى الإسلام :

جميلة قصة انتهاء غربته عن الله والدين والإيمان ، تلك التي ابتدأت بالحلم حين عبّر عنه بقوله : “

جاءني في حلمي لابسا عباءته ملتفا بالسحب فشكوت إليه بؤسي وحزني وأخبرته عن جرحي وعن قلبي الذي لا يسأم الطيران والتحليق فابتسم ولم يقل شيئا وحينما جاء النبي صلوات الله وسلامي عليه مرة أخرى انفجرتُ باكيا فابتسم ثم سمعت هذه الكلمات ابن آدم في مركز العالم فلتقف ثابتا لا تتزحزح فقد استخلفك الله في الأرض، فانفرجت أساريري ولم أخرج من الحلم” يعني هنا تأكيد لمسألة أن العودة كانت مؤسسة على الإنسانية الإسلامية .

الحب في حياته يصفهُ بالعمل الفني ! :


السعادة الزوجية مثل العمل الفني، كلما تبذل فيه جهدا كلما يكون أكثر جمالا

لهُ أعمال فكرية وأدبية ومؤلفات ومقالات  ودراسات كثيرة . . أغلبها يصبُ في إسرائيل والحركة الصهيونية .

ولمن لم يقرأ ( رحلتي الفكرية ) فليقرأها ، هي كفيلة جدًا بالتعرف على حياة الدكتور الشخصية والفكرية والأدبية .رحمه الله تعالى ، ولم نغرف من بحرهِ إلاّ أقل القليل علّ الله ينفع به .

ولنا لقاء مع شخصية أخرى الجمعة القادمة بإذن الله .

اترك رد