مهم إلى حدٍ ما

فلا اقتحمَ العقبة!

 

فلا اقتحمَ العقبة“.. نداءٌ إلهي قديمٌ متجددٌ وصريحٌ لبني البشر أن يقتحموا عقبات حياتهم؛ إذ إنه من الطبيعي أن يمرالإنسان في حياتهِ بعقبات كثيرة، تتباين صعوبتها حسب أسبابها، منها عقبة الفقد، وأعني بالتحديد فقْدَ الذات أو فقدانَ الانتماء النفسي؛ وهو اغتراب يشعرْ بهِ الفرد تجاه نفسه أو تجاه مجتمعه ووطنه.

وبالمقابل فالانتماء ((Belongingness حسب تعبير الدكتور صابر أحمد عبد الباقي: هو الارتباط والانسجام والإيمان مع المنتمي إليه وبه، وعندما يفتقد الانتماء لذلك فهذا يعني أن بهِ خللاً، ومع هذا الخلل تسقط صفة الانتماء.

هناك حقيقة قطعية أن البشر كائنات اجتماعية، مخلوقات تتجمعُ سويًا، ويعتمد كل منها على الآخر جسميًا أو نفسيًا عبر الحياة. فالعلاقات الوثيقة مع الآخرين تبدو من الضروريات، وهي أمور تتكامل مع بقاء الإنسان ورفاهيته.

ولايهمنا في هذا الصدد مجرد حضور الإنسان في جماعة معينة لا يضعُ فيها بصمته!

قد يشعر الإنسان أنّه يفشل في الانتماء حقًا، وأنّ ذاته تتسللُ منهُ مرحليًا، وأنّه بدأ يفقدُ السيطرة على نفسه، وما من سبيل إلاّ للإذعان! وأستطيع أن أعزو السبب في عدم الانتماء إلى فقدان حلقة الوصل الفكري عندَ الفرد مع من حوله؛ فالشباب حسب إمكاناتهم الفطرية يتسمون بتفكيرٍ اجتماعي، فإذا لم يجدوا بيئة تحتضنُ عقولهم في جوٍ مفعمٍ بالحرية واضحة الخطوط والحدود، ومملوءة بالثقة النفسية المكتسبة؛ فالفقد واقعٌ لامحالة بأي شكلٍ من الأشكال! ويؤكد هذا الكلام قول للجسماني “إن الشباب يمثلون مرحلة من النمو الإنساني لها ثقافة خاصة، وتمثل إحدى الثقافات الفرعية، ويطور الشباب نتائج خبراتهم عن طريق غير رسمي. فتتضارب معاييرهم مع معايير الكبار، وقد تتميز بالرفض أو الانعزال”.

وكي لا نفقد ذواتنا لابدَّ أن ننخرط في محيطنا الأسري بدْءًا، فالمجتمعي، ثمّ الوطني، ونحملُ همًا واحدًا أساسيًا يشعرنا بانتمائنا إلى أمتنا كي نستعيد مجدَ ذواتنا، ومن ثمّ تتسع دائرة الأمجاد حتى تصل إلى كل قطر من أقطارِ الأمة .. فمهما غابَ الإنسان وارتحلَ فإنّ الانتماء الديني بثوابته -وهو أعظم انتماء يعيشُ في قلبهِ وعقله- لن يترك لهُ مجالاً للفقد في أي حالٍ من الأحوال!

والانخراط يتحتم عليه حقوقٌ وواجبات، لها أهميتها على حدٍ سواء؛ فالإسلام هو منهج الوسطية، وازنَ بين الفرد والجماعة، وبين الحق والواجب، وبين طلب الآخرة وعمارة الدنيا يقول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا). إن لحقوق الفرد وواجباته صفة التلازم، وإذا تقدم أحدهما على الآخر فإنّ ميزان الوسطية يفقد توازنه، وبالتالي تختل مسيرة الفرد في حياته، فيجنحُ إلى القعود والكسل.

في نهاية المطاف علينا أن ندرك حقيقة مهمة، أنَّ شعور الإنسان بالفقد هو بداية الشعور بالرغبة للانتماء، وأنّ حقوق الإنسان القائمة على تكريمه من ربه (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعلاقاته مع الناس ومع نفسه على حدٍ سواء؛ فهناك حق الحياة، وحق الوالدين، وحق اليتيم، وحق الأولاد، وغيرها من الحقوق القائمة على الوجوب والإلزام.

إن المنهج القرآني الذي تكفّل بحفظ حقوق الإنسان كفيلٌ أن يؤكد على أهمية حق الإنسان في مطالبته بحقوقه من مجتمعه حتى يضمن انتماءه الفعلي إليه.

ولعلَّ واقع اليوم يترجم لنا قول الشاعر:

وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي      ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابًا

وخلاصة القول إنّه بمقدور الإنسان أن يصنع من الفقد نقطة تحوّل تعيد بناء ذاته من جديد بصورة جديدة، والرغبة هي البذرة الأولى لنمو شجرة الذات ومادامت هذه الرغبة حاضرة فتلك إشارة إلى وجود إنسان يحملُ عقلاً وقلبًا وروحًا، ويريدُ أن يعيش كما يريد، وإذا تمنّى المرء ورجا تغيير شيء ما، فعليه أن يصنع أكثرَ من شيء، إنّه بذلكَ يصبحُ مملوءًا بعبقِ الحياة وحب الحياة!

 

المقال في موقع الإسلام اليوم:

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-43-135530.htm

اترك رد