كتب

رواية زوربا اليوناني- نيكوس كازنتزاكيس.

ما أجملْ أن تقرأ شيئًا تشعرُ بهِ يحاكي خلجات روحك، فيحركُ مياه راكدة ويسكنُ أخرى هائجة!، يتفق مع مايردك من خواطر وتأملات، يجيبك عن أسئلة حائرة تسكنُ ذاكرتك، يجعلكُ تضحكُ وتبكي جراء السخرية المنثورة بين دفتي كتاب!
قليلة هي الكتب التي تفعل بي هذا، غير أن زوربا استطاع بفلسفته وفهمه للحياة أن يصنع كل ذلك رغم تجريحه المندس بين الحروف للمرأة كإنسان إلاّ أني أحببتُ شخصية زوربا..!
الإنسان ، الحرية ، الألم ، الصداقة ، العمل ، الحب ، موضوعاتٌ عميقة تستهدفها الرواية ، عاشها زوربا وبحثَ عنها وسخرَ منها وعبث بها ، تنفسها ذرة تلوَ ذرة ، ومثلها لحظةً بلحظة فكانت ذات ( زوربا ) !
زوربا اليوناني ، هو عنوان الرواية، ربما هو يونانيٌ الأصل ويكاد يبين أنَّ زوربا يغيبُ تمامًا عن الوطن ثّم لم يكون سوى إنسانًا وحسب !

زوربا ، شخصية مجنونة بحق!
تعزفُ السانتوري تحتَ إبريقِ القمر أو بالقرب من مناجمُ الفحم في ليلٍ هادئ استفزه هدوءه فانطلقَ بواسطة أنامله يعبثُ بالأوتار ليصنع شيئًا من الصخب !، زوربا لا يعزف السانتوري وحسب بل يعزف حياته المتمردة على أوتار الرمل برقصته الشهيرة !
يبتسم بسخرية حين يريد أن يخفي انفعاله !
ويسخرُ باسمًا من صديقه المثقف ويصفهُ بـ ( عث الكتب ) وينتظرُ دون أمل أن يترك عادة مضغ الورق والتلوث بالحبر !!
شجاع لايخيفيه شيء سوى الشيخوخة !
لايهمه الفرح ولا الحزن ، كل مايهمه هل هو حيٌ أم ميت ؟
رواية تتألف من ستة وعشرين فصلاً ولأني قرأتها إلكترونيًا فلم أحظى مع الأسف إلا بتسعة عشر فصلاً!، سكنَ في فصولها هو وصاحبهُ الشاب المتحضر وكثيرًا جدًا في حانة مدام هورتنس التي وقعت في حب زوربا حتى انتهت حياتها ثمّ لم تتزوج زوربا ولم تفرح بزهرة برتقال واحدة !

وعن زوربا الحقيقي يقول الكاتب:محمد الفيتوري في مقالةٍ له عن وفاة زوربا اليوناني وهي رواية مضادة لرواية نيكوس :

زوربا اليوناني أغرب الشخصيات التي تعرف عليها كازاندزاكيس في أحد أيام عام 1917 بمنجم الغرانيت في منطقة (ماني) جنوب شبه جزيرة البولوبونيز قرب خليج صغير جميل وهاديء، والتي عاش فيها الكاتب فترة من الوقت مع عامل المناجم زوربا الذي سيلعب دورا مهما في حياة هذا الروائي والفيلسوف العملاق.
( ينحدر زوربا من قرية علي جانب جبل الأولمب، تعرّف عليه كازندزاكيس عندما تشاركا في مشروع منجم الغرانيت، ولكن المشروع ذهب هباء، وتبدد في عشق زوربا للحياة ورقصته الشهيرة علي شاطيء المتوسط، وعزفه علي آلة السانتور، وهي آلة موسيقية تشبه آلة (القانون) العربية. وبعد أن افترق كازندزاكيس وزوربا، توجه الأخير إلي صربيا، باحثا هذه المرة عن المنغنيز، وجمع حوله ممولين لمشروعه، وشغّل عمالاً وفتح أنفاقاً تحت الأرض وتزوج أرملة لأنه لم يستطع تحمل العيش وحيداً، وبالرغم من غربته وبعده عن الوطن إلا أنه لم ينس صديقه وكان يراسله باستمرار حتي وفاته).
وتظل علاقة كازندزاكيس ببطل رائعته الشهيرة(زوربا اليوناني) عامل المناجم البسيط ، من أكثر علاقات كبار الكتاب بشخصياتهم غموضا وجمالاً وخصباً والتباساً.
لم يكن زوربا متعلماً، إنما كان حكيماً، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق في ليلة قمرية دافئة، وكان شخصا مفعما بحيوية وقوة وحس متدفق، وشهماً، وكان عملياً، أمام ما كان يسميه زوربا فار الكتب وكان زوربا من بين الذين اثروا في حياة كازاندزاكيس، والذين أشار إليهم الكاتب نفسه وهم : هوميروس، وبوذا، ونيتشة، وبيرغسون. وأشار إلي تأثير كل شخصية من هذه الشخصيات عليه في جانب معين، ويقول عن زوربا علمني أن أحب الحياة، وأن لا أخاف من الموت. وقال إنه لو أنا سؤال العمر كان مطروحا أمامه، حول اختيار دليل روحي، لأختار(زوربا) بدون تردد .





تبقى جميلة وممتعة و قراءتي لها تجبرني على قراءتها مرة أخرى بعينٍ مختلفة وأرجو أن تكونَ ورقية !


شيئًا من درر زوربا:


– كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية.

– لكي تنبت الزهرة يجب أن يكون هناك بذرة، من هو الذي وضع بذرة كهذه في جوفنا؟ و لماذا لا تنبت البذرة هذه زهور لطيفة شريفة؟ لماذا تحتاج إلى الدم و الأوساخ؟
ونهضت إلى ظهر المركب لأستنشق هواء البحر.. ” هذه هي الحرية ” فكرت بنفسي، تهوى ثم تجمع قطعا من الذهب، و فجأة تتغلب على تلك العاطفة فتتمسك بكنزك و تلقي به أدراج الرياح لتحرر نفسك من عاطفة معينة و تأخذ بعاطفة أسمى، أليست هذه هي نوعا آخر من العبودية؟ لتضحي بنفسك من أجل فكرة معينة، من أجل عرق ما، لله؟ أم أن كلما ارتفع الرمز طال حبل العبودية؟ عندئذ يمكننا الاستمتاع و اللهو في أرجاء أوسع و نموت دون أن نصل إلى نهاية الحبل، هل هذا ما ندعوه الحرية؟!

إني سعيد، أنا أعرف ذلك، عندما نعيش سعادة ما، فنادراً ما نحس بذلك، بل عندما تمضي وننظر إلى الوراء، نحس فجأة – وأحياناً بدهشة – كم كنا سعداء.

إن اليد ساعة رملية تفلت الحياة منها وتضيع، تضيع وأنا أنظر إلى البحر، وأسمع “زوربا”، وأحس بصدغيّ ينبضان من السعادة.

– قل لي، ماذا تفعل بما تأكله أقل لك من أنت، هناك من يحوّلون هذا إلى شحم وقاذورات، وآخرون إلى عمل وإلى مزاج طيب، وغيرهم إلى إله – كما سمعتهم يقولون – إذن فهناك ثلاثة أنواع من البشر، أما أنا فلست من أشرارهم ولا من أخيارهم، إنني أضع نفسي بين النوعين، وما آكله أحوله إلى عمل وإلى مزاج طيب‘ هذا ليس سيئاً جداً.

– ماذا حدث للغراب يا “زوربا”؟
– كان يمشي _ كما تعلم _ بشكل محترم مناسب، مثل غراب حقاً، لكنه رغب ذات يوم في أن يمشي متبختراً كالحجل، ومنذ ذلك الحين نسي المسكين حتى مشيته الخاصة، ولم يعد يعرف ماذا يفعل، وأخذ يعرج.

لقد سقط البشر في السفالة، يا للعار! لقد جعلوا أجسادهم خرساء ولم يعودوا يتحدثون إلا بالفم، لكن ماذا تريد أن يقول الفم؟ ما الذي يمكن أن يقوله؟ لو استطعت أن ترى كيف كان الروسي الصغير يصغي إلي، من رأسه إلى قدميه، وكيف كان يفهم كل شيء! وصفت له وأنا أرقص مصائبي، وأسفاري وكم مرة تزوجت، والمهن التي تعلمتها:

ليكفوا عن القول لي إن الشيخوخة تشذب الإنسان وتهدئ حرارته! وإنه يمد عنقه للموت عندما يراه ويقول: ” اقطع رأسي، من فضلك، كي أذهب إلى السماء”.
أما أنا فكلما تقدم بي العمر، ازددت تمرداً، إنني لا استسلم، بل أيد أ، أغزو العالم!

فكان جوابك : ان اليونان والوطن والواجب لا تعني شيئا..
… أنها لا شيء… ولكن هذا اللاشيء إذا دعانا، لبينا دعوته بلا تردد، وبذلنا حياتنا في سبيله عن طيب خاطر.

إن الحياة هي المتاعب، ولا متاعب في الموت.. هل تعرف ما معنى إن يعيش الإنسان؟ معناه إن يشمر عن ساعديه ويبحث عن المتاعب.

إن الاعتراف بالخطيئة هو نصف التوبة.

كثير من الناس يفخرون بوطنيتهم دون أن تكلفهم الوطنية شيئا، أما أنا فلستُ وطنيًا ولن أكون مهما كانت تكاليف الوطنية !

النساء أشبه بأواني الخزف ، يجب أن يعاملن بعناية ورفق !

إن الإنسان آلة عجيبة .. تطعمها خبزا ونبيذا وسمكا ، فتعطيك ضحكا وأحلاما ومناظر جميلة

إنها لمتعة وأية متعة ، أن يختبر الإنسان شجاعته ومدى قدرته على الاحتمال حين نسوء أموره وتتقطع به الأسباب !

عجبتُ للحياة! أن الناس يتقابلون ويفترقون ، ويحاول الإنسان أن يحتفظ في ذهنه بصورة لوجه الشخص الذي أحبه، أو لحركة من حركاته .. ثمّ تمضي الأيام والسنين فإذا هو لايذكر حتى لون عينيه !

8 thoughts on “رواية زوربا اليوناني- نيكوس كازنتزاكيس.

  1. — كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية–

    يُروَى عن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “إياكم وخضراءَ الدِّمَن” فقيل: وما خضراء الدِّمَن؟ قال: “المرأة الحسناء في مَنبَت السُّوء”.

    وإن كان المفهوم من الرواية بني البشر!!؟

    والله قد كرمهم .

    –لم يكن زوربا متعلماً، إنما كان حكيماً، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق في ليلة قمرية دافئة–

    أي حكمة ينطق بها
    وقد جعلكن — النساء أشبه بأواني الخزف –وان كان قد تلافى الروائي جرح المشاعر برقعة جميلة ولكن في طياتها دواهي.

    باختصار … الله يغفر لنا جميعا الروايات هذه تسبب انحرافات خطيرة سلوكية عقدية.

  2. أبو ليان ..

    أهلاً بك ..
    نزارْ قباني في قصائدهِ الكثير من الإلحاد .. هل يعني هذا أن لا أقرأ الأخرى التي يعبّر فيها عن معاني جميلة مثلاً ..

    كذلك رواية زوربا .. لا تحكم عليها حكمًا عامًا إن لم تقرأها …

    أما عن اقتباساتي ، لا يعني أن كلها أعجبتني بالضرورة ، بل قد يكون لي رأي مخالف في بعضها لذلك اقتبستها !

    ومرحبًا بك

  3. جميلة جداً.
    متشوقة جداً لأنهي مالدي من كتب, وأقتني هذا الكتاب.
    أردتُ أن أقرأ الحوارات التي تسوّر الشابين, المثقف و من بلّغته الحياة حكمتها, أعلم بأنها فلسفية وراقية, كم أتمنى أن أحظى بها.

    الأخ أبو ليان:
    [ النساء أشبه بأواني الخزف، يجب أن يعاملن بعناية ورفق ! ]
    المسألة لم تتعدى إطار “الشبه”, والشبه ليس يَعني بالضرورة أن يكون مطابقاً !
    وهل علينا أن نخلع ثياب الحكمة عن رسولنا-حاشاه- بمجرد أنه وصفنا بـ”القوارير” ؟

    شكراً لكِ أرجاء جليديَّة.

اترك رد