كتب

رواية 1984. لـ جورج أورويل.

 

مرتني الذكرى وانا واقف ….
في نفس المكان
في غير الزمان ..
في ذا .. ضحكت أيام لكني بكيت
في ذا .. حلمت أحلام لكني صحيت
منها ابتديت فيها انتهيت
إلا من الذكرى !

رددت تلك الكلمات التي كتبها سمو الأمير الشاعر خالد الفيصل، بعد أن أتممت الصفحة الواحدة والخمسين بعد الثلاثمائة ثم أغلقت دفة الكتاب .. ومضيت أستنشق رائحة الأوراق التي كانت تعج في ذلك المكان والذي عقد علاقة ارتباط وثيقة بذاكرة ما !
تمنيت أن أسحب إلى رئتيّ رائحة عديمة من الرائحة .. هواء نقيًا يغسل بقايا الحروف التي علقت في ذهني .. وتركتني أستشعر مرارة القهر .. وأصب في كبدي إبريقًا من اللا معنى ..!
حيث الحياة فراغ هائل من الحياة ..
لا حب إلا حب الأخ الكبير ..
ولا كرامة تعقد عليها الآمال والطموحات ..
ولا عدالة يرسمها المرء في آفاقه ليحدق بها كلما أمعنت فيه النظر عين الظلم والاستبداد..

ذاك هو شعوري ..!

ومابين الأوراق وفوق السطور تفاصيل امتازت بشيء من الإثارة ..
فذلك ونستون الشاب الصحفي، الذي اقترف جريمة فكر عند أول لحظة أمسك فيها القلم خلف أسوار الظلام وندبات الخوف :
(لقد كان يظن أن الكتابة أمر يسير ولا تحتاج لكثير عناء ، وماعليه إلا أن ينقل ماكان يجول بخاطره لسنوات من حوارات طويلة مع النفس إلى الورق، تلك الحوارات التي كانت تعامل في رأسه وتسبب له القلق وعدم الارتياح)

وذلك أوبراين عضو الحزب الذي حملت شخصيته – بالنسبة لي – علامة استفهام كبيرة استمرت إلى نهاية مطاف الأوراق .. أوبراين الذي وقف أمامه ونستون وشعور كبير بالارتياح ملأ قلبه تجاهه لكنه في نفس الوقت هو الرجل الذي نكى به وأعلن من خلاله موت عقله وقلبه !

أما جوليا فتلك الفتاة التي كانت ترتدي حزامًا قرمزيًا رمزيًا، والتي أحبها ونستون حيث كانا يعملان معًا في وزارة الحقيقة ،، وآل بهم هذا الحب إلى الكراهية بفعل وزارة الحب التي أعادت تأهيلهما من جديد !
جوليا كانت تقول لونستون وكلها إيمان:
(يظل قلبك المكنون والذي لايمكنك أنت نفسك سبر أغواره حصنًا منيعًا عليهم!)
بيد أن كل السياجات المنيعة تحطمت أمام حب الذات ،، والنجاة بالنفس وحسب !

ونستون وجوليا .. كانا يكنان كراهية تكاد تكون معلنة أمام الحزب للأخ الكبير..
افترقا أخيرًا.. بعد أن اقترفا جريمة الفكر التي كانت سببًا في فراقهما.
وذات مساء في مقهى شجرة الكستناء حيث كان ونستون يعيد ترتيب ذكرياته تزامنًا مع ترتيب لوحة الشطرنج الممتدة قبالته، تعالت هتافات الناس في الخارج..
مات بعدها برصاصة أصابته من الخلف في رأسه وأعلن مع آخر رمق: (لا حب إلا حب الأخ الكبير !)
ونستون الذي كان يؤمن بعامة الشعب ..
مات معلنا حبه للأخ الكبير وحسب!

أيعقل أن يتحول الإنسان إلى أن كائنًا بمسمى إنسان لكنه يخلو تمامًا من كل معنى للإنسانية؟! : /

رواية جورج أورويل بالفعل .. تقرأ ثم تقرأ من جديد !
إنها تعزف على وتر حساس جدًا، يهتز هذه الفترة في مجتمعاتنا بشكل كبير ولا يكاد يهدأ.
تحاول تصوير مجتمع تحكمه الديكتاتورية، تعمل على تزوير الحقائق وإعدام القيم البشرية، وتحويل البشر إلى قطيع لا معنى ولا وزن ولا قيمة له يسطو عليهم الأخ الكبير ويراقبهم من خلف الأسوار حيث لا تنطفئ أضواء شاشة الرصد في كل مكان!
وزارة الحقيقة، وزارة الحب، غرفة رقم 101 ، الأخ الكبير!
كانت رموزًا ليست إلا ضدّ نفسها.

انطباع أخير جدير بالذكر:
هذه الرواية هي الأولى من نوعها في تاريخ قراءاتي، أفادتني كثيرًا، وتركت لدي تصورًا ربما يكون صائبًا وربما يكون خاطئًا عن المستقبل.
والله نسأل أن يصلح أحوال مجتمعاتنا.. وأن يجعل مستقبلها خيرًا من ماضيها وحاضرها.

هنا،، قطافٌ يسير إما أن يكون أعجبني أو لم يعجبني !

*ليس مهمًا إسماع الآخرين صوتك ، بل ببقائك سليم العقل يمكنك مواصلة حمل التراث الإنساني.

*كيف يمكن أن تبرهن على أكثر الحقائق جلاء حينما لايكون لديك أي سجل لها خارج ذاكرتك؟

*الولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي

*ونستون: لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا.

*كل شيء كلن يلفه الضباب، فالماضي أمحى من الوجود وماتم محوه بات طي النسيان فصارت الكذبة حقيقة.

*ونستون: إنني افهم كيف لكنني لا أدرك لماذا؟
البديهيات الواضحة عليك أن تتمسك بها! ان العالم المادي موجود، وله قوانين لا تتغير فالحجارة صلبة والماء سائل والأشياء التي لا ترتكز على شيء تهوي نحو الارض .

*عندما ترى الرجال يمرون على الرصيف فإنه يصبح قضية تؤمن بها.

*العامة ليسوا مجرد قوة هامدة، بل قوة يمكنها أن تبعث إلى الحياة في يوم من الأيام فتنفخ في هذا العالم روحًا جديدة.

*ونستون: إن العامة هم البشر أما نحن فلسنا من البشر في شيء.

*الاعتراف في حد ذاته ليس خيانة، ومايقوله المرء أو يفعله لا أهمية له أبدًا ، فمشاعره فقط هي التي تهم. فإذا تمكنوا من جعلي أكف عن حبي لك فإن هذه هي الخيانة الحقيقية التي أقصدها.

*يظل قلبك المكنون والذي لايمكنك أنت نفسك سبر أغواره حصنًا منيعًا عليهم!

*الواقع يمارس ضغوطاته من خلال متطلبات الحياة اليومية كالحاجة إلى المأكل والمشرب والمأوى والملبس، والحاجة إلى حفظ الحياة عن طريق اجتناب ابتلاع السم أو القفز من النوافذ العالية وماشابه ذلك من حاجات .
وبين الحياة والموت ، وبين اللذة والألم ، مازالت هنالك فروقات ، لكن هذه الفروقات هي كل شيء.
إن حالة الانعزال عن العالم والقطيعة مع الماضي التي يعيشها المواطن تجعله أشبه برجل معلق في الفضاء بين النجوم وقد سلب القدرة على تمييز الاتجاهات.

*أما الحكام في مثل هذه الدول فإنهم يتمتعون بسلطات مطلقة لم يبلغها أكثر الفراعنة أو القياصرة استبدادا.

*لماذا يجب تجنب المساواة بين البشر ؟
هنا نصل إلى سر من الأسرار، فكما رأينا فإن هالة الغموض التي تحيط بالحزب وعلى الأخص بالحزب الداخلي تعتمد على ازدواجية التفكير، ولكن الأعمق من ذلك هو الدافع الأصلي والغريزة التي لم تكن مثار شك أبدًا والتي كانت الحافز الأول للقفز على السلطة وجاءت بازدواجية التفكير ثم شرطة الفكر وحالة الحرب الدائمة وجميع المظاهر الأخرى الضرورية التي ظهرت للوجود فيما بعد.

*سلامة العقل ليست مسألة إحصائية.

*ونستون: إن من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل ، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي )

*الماضي لا يوجد إلا في السجلات .. في العقل ،، وفي ذكريات البشر .

*إن الواقع لايراه إلا العقل المنضبط.

*إنك تؤمن أن الواقع شيء موضوعي خارجي قائم بذاته، كما تؤمن بأن طبيعة الواقع طبيعة بديهية بذاتها
إن الواقع ليس له وجود خارجي ، إن الواقع موجود في العقل البشري ولا يوجد في مكان سواه.
إنه ليس موجودًا في العقل الفردي الذي هو عرضة للوقوع في الأخطاء كما أنه يفنى بفناء صاحبه، إنه لايوجد إلا في عقل الحزب الذي يتسم بأنه جماعي وخالد.
ومايعتبره الحزب حقيقة فهو الحقيقة التي لا مراء فيها، ومن المستحيل أن ترى الحقيقة إلا بالنظر من خلال عيني الحزب.

*العالم ذاته ليس إلا ذرة غبار والإنسان خلق ضعيفًا عاجزًا، منذ متى وهو موجود؟ لقد ظلت الأرض لملايين السنين غير مأهولة!

معلومات أخرى:
المولف: جورج أورويل.
الترجمة: أنور الشامي.
الناشر: المركز الثقافي العربي.
عدد الصفحات: 351

اترك رد