مهم إلى حدٍ ما

مرفأ الأمان!

..

 

 

 

 

ثمة أمورٌ نقررها بيننا وبين أنفسنا لتأخذنا نحو مرفأ الأمان!

لا تظني يا صديقتي أن مرفأ الأمان قريبٌ جدًا ..

تسافرين إليه على متن طائرة فاخرة وفي أرقى الدرجات فتصلين في غضون ساعات قضيتيها بصناعة الصخب ما بين فرقعة الأصابع وإرسال مزيدٍ من التأففات إلى جانبِ رجل كهل يرتدي نظارته ويتناول كتابه منذ بدأت هذه المقصورة البرجوازية تختالُ في صفحة السماء !

ولا تظني يا صديقتي أنه يقبع في أقصى الجنوب بينما أنتِ قاطنةً في أقصى الشمال .. ربما هو أقربُ إليكِ من حبل الوريد .. ثم لا تدركين!

ولتعلمي يا صديقتي الحسناء أن مرفأ الأمان ليس مطلبٌ فرديّ بل هو وطنٌ يتهافتُ عليه أولئك الساكنون في المنافي.. وأطراف الكون برمته تنادي بالصمت والصوت لهذا المرفأ !

لكنه لايجيب .. لأنه هادئ متوسم بالغرور كما يظن بعض البائسين ..!

تماما كإنسانٍ يقبع في مقهى العالم السابع لايحملُ في يده سوى قبعته السوداء التي أخطأ هذه المرة في حجمها فلم تغطي عينيه فافتضح أمره ! ونطقت ملامحه بألف كلمة دون أن يتفوه بشيء وإذا هو ممعنٌ في الصمت يتهمُ من كل ناحية بالكبر والغطرسة!

لا تظني يا صديقتي أن مرفأ الأمان يحتاج لعشرِ حقائب من لويس فيتون، ولقطعٍ ثمينة من أفخم أسواق العالم!

ولا تظني أنكِ لا تحتاجين حقيبة فتهاجرين بطيورٍ صغيرة فتحت عينيها على نوعٍ من الضياع وراحت تنشرُ تغريدها في الأرجاء بلا وجهة!

نحملُ معنا حقيبةً واحدة ياصديقتي نحفظها في أعلى قمة الذاكرة ونرتبُ أسفلها مجموعتنا الوردية وأوراقنا المكتبية، وسيمفونياتنا السرمدية، وحبنا الأبديّ ..

ربما تكون حقيبتنا صغيرة أو كبيرة لايهمٌ .. فالمعنى لا تكفيه حقائب الدنيا بأسرها .. والمعنى أشبه مايكون بكائنٍ هلاميّ أو سائلٍ زئبقيّ يتحركُ وفق أفكارنا الساكنة في أذهاننا ومشاعرنا الذائبة في أرواحنا!

وأخيرًا ..
اعلمي ياصديقتي أن مرفأ الأمان لايشبهُ الأوطان!
فطبيعته خاليةٌ من البشرْ، لا يعرفُ سوى رسوماتٍ طبعتْ على صفائحُ الرمال ..
ولايعرفُ غيرَ أولئك القادمين من كبدِ المشقة، ليمتلئون من رحيب مجاله، فيغادرون من جديد حيثُ صناعة التاريخ !

المجدُ ياصديقتي لا يصنعه إلا كائنٌ حرٌ؛ والكائنُ الحرلا يقبل قيدَ المرافيء!

ذات فجر..

25 رجب 1432

كتب

لاتبيعوا أغصاني للخريف! “مجموعة قصصية”

لا تبيعوا أغصاني للخريف ! 
تناولتُ هذا الكتاب في مجلس نسائي غوغائي ! 🙂
تماما بعد ساعة من استلامي له من كاتبته الشاعرة والأديبة: ملاك الخالدي.. فكان هدية غالية جدًا على قلبي ..
ووجوده في حقيبتي كان فرصة ذهبية للانفصال عن هذا المجلس الذي لا يروق لمزاجي على الأقل في تلك الساعة!  
يعتبر الكتاب من القطع الصغير ويقع في٨٧ صفحة .. تنقلتُ فيه بين صفحاته المكتظة بهمّ أقحواني! لفتاة مختلفة .. وحزنٌ لذيذ يخلق أفكارها ، ويمزق الأشياء الجميلة في داخلها كما تقول !
إذا كان من شيء جميل لم يظهر بعد بل ويتمزق في أرجاء خفيّة لا يدركها سواها، فلعمري إنها وطنٌ من الجمال !
لا أجزم أن القصص من واقعِ حياتها لكنها على أقل تقدير تعتبرُ جزءًا من أناها المتمثلة بأفكارها وأحاسيسها الذي تلفظها هذه الروح المرحة و الشغوفة بالأشياء والظواهر تبعًا لطفلها الساكن فيها!
 
لغة القصص جميلة وسلسة حدّ الإمتاع .. 
وجسد المجموعة أشبه بشكل هندسي  كل جهة تحملُ عنوانًا يفسرُ وجهًا من أوجه الغربة !
ثمّة أملٍ رغم الحزن والاغتراب يتدفق في ثنايا السطور ..
لذلك لم يكن عنوان مجموعتها القصصية لونًا من العبث .. 
فصيغة النهي في ( لاتبيعوا)  تعبرُ عن جزء من أملٍ دفين معجون ببعض الألم ..!
وصيغة النهي أيضًا تعني أن هناك مرسل ومستقبل .. ومن يملك مهارة القراءة خلف السطور يعرفُ تمامًا ( من يهمه الأمر ) !
أترك لكم اكتشاف المعنيون بالأمر في مشارف الكتاب الجميل، وأهديكم البسمات الجميلة بين الحروف،
كما أضيف أن الكتاب من إصدارات دار رواية – لندن.
*قراءة ماتعة 🙂
.
.
15 رجب 1423هـ
كتب · آخرون

رواية شقة الحرية – غازي القصيبي.

 

.

.

أحلمًا نرى؟ أم زمانًا جديدًا؟ … أم الخلقُ في شخص حيٍ أعيدا؟المتنبي.

.

.

شقة الحرية ،، هذا الكتاب تردد على مسمعي كثيرًا .. لكن شيئًا ما كان يؤجل اقتناؤه .. 

فبعد وفاة المؤلف غازي القصيبي رحمه الله وجدتني أنقادُ كثيرًا إلى أن أقرأ أكثر لهذا الرجل .. وأستمع له أكثر .. وأتساءل في منعطفات حرفه أكثر ..واحتار مع ألغازه أكثر .. وأضحك وأبكي مع تصويره للمشاهد أكثر وأكثر ..

تولدت لدي رغبة لأن أعيش حياته الخالدة في كتبه ..

فكانت شقة الحرية، هذا الكتاب ذو الغلاف اللائق بمضمونه تمامًا ،، فالمقتني من أول وهلة تقع عينه على سطحِ الكتاب تبرق في ذاكرته القاهرة بتفاصيلها الكامنة ..

بأنوارها المتلألئة والمنعكسة في مساءٍ عليل على مجرى النيل الطويل ،،

 وبصوتٍ لا يعرف الصمت تنبض به شوراع هذه المدينة التي لا تنام ،،

 وباحتساء قدحًا من الشاي ذو العيار الثقيل هناك حول الميادين المرفرفة بأعلام الحرية .. 

كل ذلك في غلاف !

وبين الدفتان لا تفتأ تلتهم حلوَ الكلام .. فلا تكاد تحزن إلا وتقع عليك لعنة الضحك المستديم!

الحكاية بسطورٍ قلال :

مجموعة من الشباب العربي ،، يلتقون بعد إجراءات طويلة وأيامٍ ثقيلة في شقة الحرية فهم في السنة الأولى من الجامعة قدم بعضهم من البحرين وغيرهم من السعودية وآخرين انضموا إلى المجموعة وهم من أهل البلد ،، وكأن المؤلف يسرقنا بإشارة خاطفة مهمة، “أن زمن الحرية من هنا يبدأ تزامنًا مع تحديد كثير من القرارات المصيرية !”

يعيش الشباب خمسة أعوام وكلٌ يحملُ توجهًا ومذهبًا وفكرًا واهتمامًا يختلف عن الآخر.. وفي ثنايا الخمسة أعوام تحولات مفصلية وأحداثٌ جريئة وتفاصيل جوهرية كثيرة.

أجاد المؤلف في وضع الرواية في إطار من التشويق والإثارة فقد بدأها مثلاً بحوار بين الشاب فؤاد من البحرين الذي سيغادر وطنه إلى القاهرة لأجل دراسته وبين والديه بصورة الطفل في عيني أمه فهو الذي يستغرب كيف سيفارقها وكيف ستكون حياته من دونها؟

وبصورة الرجل الذي كبر وسيكبر أكثر في عيني والده الذي كلما دعا له (الله يفتحها في وجهك يا أبوي) .. تسري الطمأنينة في عروقه .. (عجبًا ماتفعل بنا بعض الكلمات ؟!)

وانتهى كذلك بذات الحوار ليكتمل في الصفحات قبيل الأخيرة، ولكن الحال غير الحال ،، الأب الناصح المشجع في بداية الأمر هاهو يغالب الدمعة ويظهر في حديثه شيئًا من الوجل ،، يسأل ابنه، ولعل هذا المقطع تحديدًا هو لبُّ الرواية :

(لماذا تريد الذهاب إلى أمريكا ؟ ألم تحصل على الشهادة ؟

فؤاد : كيف أشرح لك يا أبي الحبيب أن الشهادة لا علاقة لها بالمعرفة ؟ كيف أوضح لك ياسيدي انك لا تعرف البشر إلا إذا انغمست في غمارهم، ولا تعرف المدن إلا إذا تشردت في أزقتها، ولا تعرف الحضارات إلا إذا قذفت بروحك في أتونها؟ هل تصدق يا سيدي انني بعد خمس سنوات من الدراسة في القاهرة جئت بأسئلة أكثر من التي حملتها معي ؟! وصلت إلى الثانية والعشرين ولا أزال في حيرة من أمري أمام المعضلة الاقتصادية. ليس من العدل أن توزع خيرات المجتمع على أفراد قلائل وتبقى الأغلبية تحترف الجوع أو التسول أو السرقة أو البغاء . وليس من العدل يا أبي أن أنقل كل الأموال إلى سيطرة أفراد في حزب.لا الرأسمالية هي الحل، ولا الشيوعية. ستقول لي ياسيدي، كما قال لي عبدالرؤوف، عن الحل في الزكاة.وأنا أعرف يا أبي أنك تخرج زكاتك بأمانة. ولكن كم عدد الذين يخرجون زكواتهم من بين أصدقاؤك الأثرياء؟ تعرف الجواب يا أبي وأعرفه. ستقول لي يجب أن تؤخذ الزكاة بالقوة. ولكن من يثق بالحكومة التي ستأخذها بالقوة؟ وأين ستذهب بعد أخذها؟ هل تريد معضلة ثانية يا أبي الحبيب؟ عندما علمتني أن أذهب معك إلى المسجد قبل السادسة. وعندما حرصت علي أن أختم القرآن قبل العاشرة.

لم تنذرني أني سأواجه ذات يوم، مشكلة التوفيق بين الإسلام والقومية العربية.كل أهل البحرين عرب، وكل أهل البحرين مسلمون- فأين الإشكال؟ الإشكال ياسيدي أن أقليات غير إسلامية هي التي وضعت النظرية القومية التي تنتشر في العالم العربي اليوم. صدّق أو لا تصدّق ياسيدي ولكن هذه هي الحقيقة. كيف أشرح لك ياسيدي أني ذاهب إلى أمريكا لأغوص في أعماق المزيد من المعضلات؟

فكرة الرواية أشبه ماتكون بسلة من الفواكه المختلفة كل فاكهة تمثلُ تيارًا يحمل مايحمل من توجهات وأفكار ورؤى يختلف ويتفق ويتصادم مع تيارٍ آخر، وتصور حقبة من الالتهاب الفكري في العالم العربي مابين 1948- 1967 .

 استخدمت الرواية  إلى جانب التشويق والإثارة أغراضًا أدبية متعددة تنوعت مابين الغزل والحماسة وغيرها،، مما يشعر القارئ أنه يتنقل في حديقة متنوعة الأزهار والأشجار ..

أعجبني في الرواية وقد أحسن المؤلف في ذلك، انتقاءاته الشعرية الجميلة للمتنبي بين الفصول والتي تعطي القارئ إلماحة سريعة عن مضمون الفصل التالي.

*اقتباسات من الرواية :

الضعف هو أبو الثورات،، لا الاستبداد ،، ولا الجوع . 

عواطف الجماهير كالزئبق لا تثبت على حال . 

حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.

 الشعر؛ خلاصة مركزة. كبسولة يسهل حفظها وتداولها وابتلاعها. والقصة طويلة كانت أم قصيرة، نسيج معقد لا يسهل حفظه ولا تداوله ولا ابتلاعه.

كل شاعر لابد أن تكون فيه لمسة من جنون !

.

.

فديناك من ربعٍ ،، وإن زدتنا كربًا .. فإنك كنت الشرق للشمسِ والغربا . – المتنبي.

29 – 6 -1432هـ