كتب · آخرون

قراءة في الأيام – طه حسين.

الأيام بأجزاءه الثلاث لطه حسين،، كان كتابًا يزور ذاكرتي كثيرًا قبل المبادرة باقتناءه.. وكتب الله لي أن يصبح أحد مقتنياتي الثمينة ذات مساء من معرض الكتاب الدولي في الرياض لعام ١٤٣١هـ. من دار المعارف المصرية.
كنت أظن أن الكتاب مجلدٌ ضخم سيصيبني الملل بمجرد رؤيتي له! ولكن العكس صحيح .. تفاجأت بحجمه الصغير . حيث كانت جميع الأجزاء من القطع الصغير ولا تتعدى الصفحات عن ١٥٠ صفحة .. إلا الجزء الثاني فقد كان يقع في ١٨٠ صفحة.
آمنت فورًا أن الفائدة من الكتب لا تقاس بمظهرها وحجمها، بل بمحتواها وجوهرها.
كانت العظمة بكل تفاصيلها تسكن في السطور وبينها وخلفها .. فتزينت بكثير من العبر والمواعظ والدروس.
واختصر لنا طه حسين كثيرًا من الطرق لفهم الحياة بطريقة المبصرين من نوع آخر!
الأيام سيرة ذاتية ترجمها الكاتب عن نفسه بأسلوب أدبي جميل ومنمق .. سهل العبارة .. بسيط اللغة .. لكنه عميق المعنى جدًا.
كانت أيامًا ربما متشابهة عند صاحبها .. من الأزهر .. إلى الربع .. ومن الربع إلى الأزهر !
أو من الجامعة إلى الغرفة .. ومن الغرفة إلى الجامعة ..!
ولكن في تفاصيلها يكمن الجوهر .. 
عاش طه حسين انتقالات فكرية كثيرة ، على اثرها اكتشف علاقته الحميمة ببعض العلوم كالأدب، والتاريخ، والمنطق ، والفلسفة ..
من هو هذا الرجل ؟ ماهي أيامه؟ وكيف لها أن تكون ليست كغيرها من الأيام .. سأدون هاهنا بعض التعاريف القصيرة عنه :
هو صبي عاش في الأزهر في فترة مبكرة من حياته، فكانت تجربة غزيرة لتكشف له عن أقنعة ارتداها بعض المجاورين في الأزهر..
جعلته رجلا ساخطًا .. لا يخشى في قول الحق لومة لائم .. وناقدًا لبعض الظواهر والأشياء..!
هو ذلك الشخص الذي ربطت بينه وبين بعض الأمكنة .. الأزهر .. الربع.. الجامعة .. فرنسا .. الحي اللاتيني .. كثير من من الشجون والشؤون ..!
هو ذلك الرجل الذي كان يعيش مع نفسه أيامًا لا يفسرها سوى الحزن والقلق والذهول.. ثم مايلبث أن يغطي هذا الوجه بإشراقة صبح .. أو بلحظة علم!
هو رجل أعمى في الحقيقة لكنه أبصر على عينيّ امرأة فرنسية إبان انتقاله من القاهرة إلى فرنسا للدراسة !
هو رجل آمن بالثورة إيمانًا عميقًا، كيف لا؟ وهو قد كان شديد التأثر بدروس الاستاذ دوركيم في علم الاجتماع !
هو رجل مؤمن جدًا بفئة العلماء والمثقفين، وأنهم ليسو كغيرهم من الناس الذين يقادون ولا يقودون ..!
هو رجلٌ كان يؤنس نفسه بأبو العلاء .. كان يقرأه من خلاله كانت كلماته، وحروفه مرآته التي يرى فيها نفسه التي لم يبصرها بعينيه !
كان شعاره دائمًا .. الشعار الذي يبتدئ به من يخاصمه كما كان يبادي به من يغريه قول ابو نواس:
وما أنا بالمشغوف ضربة لازب.. ولا كل سلطان علي أمير !
كان يؤمن بالحب كثيرًا وأن الحب هو وقودٌ سحري يدفع المرء قدمًا في الحياة!
التقى بحبه الأول هناك في فرنسا.. لم يلتقيها بعينيه بل بأذنيه.. حيث كانت هي الصوت العذب الذي يتلقى عنه العلم باللغة الفرنسية!
كان وثابًا .. مجتهدًا.. محبًا للعلم.. محبًا للحق.. محبًا للنقد .. تعلم الفرنسية واللاتينية .. إضافة لحفظه القرآن في الأزهر في فترة مبكرة من حياته!
مممم كتبت ماهو عفو الخاطر .. وفي ثنايا الكتاب كثيرٌ من التفاصيل المثيرة ..
من المفترض أن أختصر الطريق وأقول هي سيرة رائعة لا يعبّر عن مدى روعتها إلا أن تقرأ مرارًا وتكرارًا..
رحمك الله أيها العظيم .
أي موتٍ أحبُّ إلى الرجل النبيل من هذا الموت الذي يأتيه من العلم وهو غرقٌ في العلم! – طه حسين
18 شعبان 1432هـ

One thought on “قراءة في الأيام – طه حسين.

اترك رد