مهم إلى حدٍ ما

من المستحيل أن أقول فقط ما أعني!

“يقول الشاعر تي إس إليوت: من المستحيل أن أقول فقط ما أعني!”

كثيرٌ من المشاكل الجسيمة في علاقاتنا الاجتماعية تحدث بسبب أقوالنا؛ الأفعال ليست دائما مؤذية كما يفعل اللسان صمتًا أو كلاما.

أتذكر بروفسور درسني مادة في الإدارة والاقتصاد، يقول كل مشاكلنا مع الآخرين هي بسبب أننا نسمع فقط أصواتنا. وأصواتنا دائما ما تعلوا فوق أصوات الآخرين لأننا نخشى أن نسمع مالا يعجبنا، ولكن الحال هو أننا لو أنصتنا جيدا لربما ما وجدنا سببًا للخلاف حتى!

ما أود طرحه في هذه المساحة الصغيرة هو أننا نحتاج أن نتعلم فن الاستماع جيدا تبعًا لنصيحة البروفسور التي أجدها صحيحة ١٠٠٪‏، لأن المعنى أحيانا قد يكون في بطن الشاعر كما يقول إليوت. عندما نكون مع الآخرين أيا كان هذا الفرد الآخر، نحتاج أن نفكر.. أن نسأل.. أن نناقش وأن نفكر سَوِيًّا! لا نحتاج أن نبني مزيدا من الجسور والكسور بالصمت والصمت المقابل.

قرأت حكمة جميلة لا أعرف قائلها ولكن لعلها تختصر الفكرة هنا: “كل شخص يقاتل لشيء ما نجهله. لذلك، كن هادئا دوما” والهدوء لا يعني الصمت بالضرورة! 

#بوح_خاطر

في أمريكا · سينما · ضوء

العثور على أرض الخلود في نيويورك 

في الثاني من أبريل لهذا العام ٢٠١٦ أعلن نادي الأنشطة في جامعة ماري وود التي أدرس فيها حاليا عن رحلة لحضور عرض من عروض برودواي الشهيرة في نيويورك. حضور إحدى العروض هناك كان حلمًا من أحلامي الصغيرة. توجهت لمكتب النادي وحجزت مقعدا في حافلة الرحلة. لم أهتم بمن يرافقني ولم يرافقني أحد أعرفه بشكل خاص.. كان الهدف الأهم بالنسبة لي حضور العرض وحسب. ومصادفة، قابلت زميلتين في المكتب توجهن لنفس الغرض. فطلبن مني أن أنضم إليهن خلال الرحلة. أومأت برأسي بالقبول بكل ترحيب.. وبيني وبين نفسي لم أشأ مرافقة أحد على الإطلاق، كنت أود قضاء الوقت وحدي والاستمتاع وحدي ومعي. لكنني قدمت متأخرة جدا وإذا بزميلتاي امتطين مقعدين في الخلف. وكان نصيبي مقعدٌ أمامي. كان يجلس بجانبي طالب هندي الجنسية اسمه دي چيه. تحدثنا ويبدو أننا الوحيدين تقريبا طلاب دوليان بين طلاب أمريكيين. ولعلها كانت مصادفة لطيفة! 

واكتملت المصادفة كذلك في مقاعد العرض تفاجأت أنه هو الشخص الذي يجلس بجانبي كذلك! 

المهم، عندما وصلنا إلى مدينة نيويورك، وهي تبعد ساعتين تماما عن مدينتي -سكرانتون- توقف الباص وكنت تقريبا أول الفارّين منه المنطلقين في شوارع نيويورك في ذلك الصباح الممطر الجميل..

لا أحب الانتظار أبدا ودائما ما أرغب بالأماكن القريبة من المخرج سواء في الطائرة أو في الحافلات وكذلك في صفوف الدراسة لأكون أول الهاربين.. 

 توجهت لأقرب مقهى وتناولت قهوتي وإفطاري. وحيدة إلا من ذكرياتي وأشواقي وحبي للحياة.

هي هكذا المدن الكبيرة المكتظة بالناس تشعل فيك الحنين لأشياء تظن أنها قد ماتت في داخلك، ولكن المارّة كأن في أقدامهم أجراسًا تدق فيك، ربما لأنهم انعكاسًا بطريقة ما لانكسارات ولإنجازات ولأشياء أخرى كثيرة. 

من أجل ذلك أحب أن أكون وحيدة وممتلئة في ذات الوقت في مدينة لا تنام مثل مدينة نيويورك..  

كان العرض يبدأ في الثانية ظهرا؛ مايعني أني قضيت ما يقارب الأربع ساعات أراقب المارة والمطر من نافذة المقهى..

في تمام الواحدة والنصف اتجهت إلى شارع ٤٦ الغربي في مدينة نيويورك حيث موقع العرض… 

كانت قائدة الرحلة تقف بالتذاكر أمام البوابة، استلمت تذكرتي ووقفت تلقائيا في طابور منظم أنتظر مع المنتظرين وقت الدخول.. 

دقائق معدودة ودخلنا، وأول ما شد انتباهي هو الجدارية الضخمة التي تعرض مسارح نيويورك في الخمسينيات.. كانت مدهشة بتفاصيلها الدقيقة والجميلة.. 

تعرفت على عدة أشخاص لطيفين للغاية أثناء انتظارنا؛ كريستين وصديقها الضرير مارك.. 

دخلنا المسرح وانتشرنا بحثًا عن مقاعدنا.. 

قبل بدء العرض بدقائق معدودة، وقف أحد المنظمين وقال كلمة قصيرة مفادها: الرجاء عدم استخدام الهواتف النقالة أثناء العرض. الكاميرات غير مسموح بها. واستمتعوا بالعرض! 

لم تكن كلمة قيلت وحسب.. بل كانت فعلا أيضا!

لم أرى نقطة ضوء واحدة في المسرح، كانت القداسة هي سيدة المكان.. احترام وتطبيق تام للقوانين. 

استوقفني هذا المشهد كثيرا وتأثرت به كثيرا جدا..

أما العرض فحكاية مقدسة أخرى..

لحسن الحظ أني تمكنت من حضور مسرحية العثور على أرض الخلود”Finding Neverland” والتي تعرض للمرة الأخيرة خلال هذا العام ٢٠١٦!

كان العرض جميل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. قصة المسرحية راقية جدًا. التمثيل احترافي للغاية. وأكثر ما نال إعجابي هو المقطوعات الموسيقية والآداء والإخراج المسرحي. لم أمنع نفسي في نهاية العرض من الوقوف والتصفيق بحرارة لذاك الجمال الذي أتمنى أن يتكرر في عروض أخرى.. 

ساعتان في المسرح..ساعتان من جمال.. ساعتان من رقي.. ساعتان فخمتان لي وللزمن.. لن أنساهما أبدا. 

بعد خروجنا من المسرح بكل هدوء وانسيابية تماما كما دخلنا، كانوا الممثلين يقفون في الصالة الخارجية إما للتصوير معهم أو لجمع التبرعات لصالح مرضى السرطان.. 

تمنيت أن أجد المسرحية مسجلة في أقراص دي ڤي دي لأعود إليها كلما احتجت جرعة من جمال، و لكن بطبيعة الحال عروض برودواي لا تتوفر إلا على مسارح حقيقية ولعل هذا مايميزها وتستحق أن يشد لها الرحال. 

سينما

مراجعة لفيلم القناص الأمريكي “American Sniper”

cthdthhvg5sefggtvqaj

فيلم القناص الأمريكي، أعجبني كمادة متعددة الأبعاد أثارت تفكيري، ولم يعجبني كقصة حدثت وأثارت غضبي.
فالفيلم يحاول استعطاف المشاهد تجاه الأمريكي فقط.. لأنه الإنسان في المعركة بينما العراقي الذي يدافع عن نفسه ووطنه مجرد كائن متوحش!
ثم يعرض بعدًا نفسيا في القصة له جانبين الجانب الأول و الذي (لم تفهمه إنسانيتي) مفاده: يجوز للمرء أن يقتل الآخرين إذا كانت نفسيته جبلت على دواعي تدعوه لهذا السلوك ولا يستطيع السيطرة عليها!! فبعد أن قتل كريس كايل ١٦٦ نفسا أصيب بصدمة نفسية لم تعده إلى حياته الطبيعية إلا عندما نصحه الطبيب النفسي أن يذهب إلى المستشفيات ليساعد الجنود المصابين هناك، استعاد كريس عافيته النفسية عندما بدأ (يدرّب) هؤلاء الجنود كيف يطلقون النار ويصيبون الهدف..

أما الجانب الثاني يقول: التعمق في اكتشاف النفس قد يودي بالإنسان إلى الهلاك في نهاية المطاف! فكريس مات فعلا على إثر رصاصة أصيب بها عندما كان يدرّب صديقا له.. وأخيرا تركني الفيلم أقول و أتساءل:

لا يوجد من هو خالد على هذه الأرض فلماذا يتقاتل الناس؟ لماذا يتصارعون من أجل البقاء والأصل أن لا بقاء؟ لماذا لا يختار هؤلاء الناس أن يموتوا هادئين؟

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

أهلا رمضان 

الحمدلله الذي منّ عليّ أن أتواجد في البلد خلال رمضان هذا العام. فرمضان في الغربة ليس صعبًا وإنما ليس رمضانٌ متعارف عليه ببساطة الحال. يصبح شهر رمضان أجمل بوجود الأهل والأحباب قربك. وقتك وقتهم، واحتفالك احتفالهم. 

أما العبادة، فأينما تولوا فثمّ وجه الله. أتذكر رمضان ٢٠١٣ كأول رمضان أكون فيه خارج البلد وفي بلدٍ لا تسمع فيه النداءات إلى الله. نعم ثمة ما كان ينقصنا -في أذهاننا فقط-، ولكن الروح هي من تصنع اللذة والسعادة والجمال. 

كان رمضان مختلفٌ جدًا، كان لذيذٌ بمعنى الكلمة. كنتُ أستيقظ في السابعة صباحا لأتأهب و ألحق بالباص المتجه إلى جامعة أوريقون حيث معهد اللغة الانجليزية الذي درست فيه عامين في مدينة يوجين. كان الصيام في شهر أغسطس و يبدأ في تمام الثالثة والنصف فجرًا وحتى التاسعة مساء. كان النهار طويلٌ جدا، والوقت مبارك جدا لكل شيء وأي شيء. في تمام الثانية ظهرا يحين وقت انصرافنا من المعهد. أعود إلى المنزل؛ آخذ قسطًا من الراحة، وأستيقظ قبيل المغرب بساعتين أو ثلاث. أقوم بإعداد الإفطار؛ غالبا صنفان وفي نهاية الأسبوع ثلاثة أصناف إلى أربعة! “حسب المزاج لأكون صادقة معكم”

في ساعات الليل المتبقية أتفرغ للدراسة. ولا وقت حقيقة لتهضيم وجبة الإفطار فضلا عن إعداد وجبة السحور. لذلك كانت وجبة السحور غائبة أحيانا إلا من فاكهة وماء.

قد لا تجدون روحانية في تفاصيل يومي، ولكنني كنت سعيدة لعدة أسباب، أولها أن وقتي كان ممتلئًا بأشياء أحبها. ثانيا، كنت أشاهد ما أحب ولا وقت لشعار ام بي سي “رمضان يجمعنا”؛ لم يكن يفرض عليّ الإعلام ذائقة بصرية أو سمعية محددة. ثالثا، لا وقت للنفاق الاجتماعي، ولا وقت للانشغال بالآخرين أكثر مما يجب. الوقت لك أنت وحدك وبينك وبين الله! رابعا وأخيرا، كان النظام الغذائي صحي إلى حد ما؛ و كان النهار معاشا فعلا. 

قضيت رمضان الفائت بين أهلي، وأقضيه هذا العام بينهم أيضًا بفضل من الله. وأرجوه أن يكون شهرًا مباركًا على الجميع. ويتقبله منا ومنكم ونحن وإياكم بصحة وعافية وسلام. 

لا تنسوا إخوتنا المنكوبين في كل مكان من دعوة صالحة قبل إفطاركم دوما. 

ودوموا كما تحبون

في أمريكا · ميلاد · وقت متأخر جدا

أنا والليل والسفر

..

أنا والليل والسفر.. اليوم الأول في سنة ٢٠١٦، في شهر ميلادي.. والشهر الذي أحب حتى لو لم يكن يوم ميلادي فيه. يناير أو “كانون الثاني” كما أحب أن أذكّر نفسي، شهر الخير والبركات على حياتي الشخصية. أتفاءل كثيرًا به، وأتفاءل أكثر باليوم الأخير منه، حيثُ خرجتُ على الدنيا وعلى شهر فبراير أو “شباط” كما أحب أيضًا أن أذكّر نفسي.

مررتُ في هذا اليوم على خمسة ولايات خروجًا من ڤيرجينيا، مرورا بميريلاند، عبورًا بديلاور ثم نيوچيرسي، ووصولا إلى بنسلڤينيا.

كنتُ كمن يقود عجلة العام الجديد، كان الوقتُ بطيئًا جدًا. بالكاد تتحرك الدقائقُ والساعات.. ربما لأنني أريد الوصول سريعًا… لديّ من الأشياء مايجب أن أنهيها قبل منتصف الليل.. أظنني قد فهمتُ لعبة الزمن جيدًا؛ عليّ أن أتظاهر بالحماس والإثارة حتى ينقلب الزمن ضدي ويمضي سريعًا ثم لا أرجع إلا بخفي حنين..

لم أكن مستاءة أبدًا، ولم أشعر بالملل على الإطلاق.. كنت أراقب أسراب الطيور نهارًا.. والنجوم اللامعة ليلا..

كنت أتمنى لو كنتُ طيرًا يستطيع أن يعلِّق أحلامه على إحدى النجوم.. ربما لأنني أظن أن عالم السماء أكثر أمنًا من هذه الأرض المتعبة.. أحب أحلامي جدًا لأني أعرف أن فيها خلاصي.. لا أعرف لماذا أكتبُ هذه الكلمات الآن!

هل كان الوقت بطيئًا لأنني كنتُ أنتظرُ شيئًا؟ ربما..

لايهم..!

كل شيء ينتهي إلا الانتظارات تتوالد انتظارًا بعد آخر.. كلما أوشكتُ الوصول تيقنتُ أني مازلتُ أمضي نحو وصول غير محدد..

سألني صديقٌ يومًا، من هم السعداء برأيك؟

قلت: أولئك الراضون تماما عن كل شيء وعن أي شيء..

ماعدا أولئك، هم أنصاف سعداء أو تعساء جدًا..

أيضًا لايهم..!

 فاللهثُ خلف السعادة هراء.. وأنا أمقت جدًا تلك الكتب التي تحملُ عناوينٌ فارغة مثل: ١٠٠ طريقة لتصبح ثريا! عشرون برنامجا لتصبح رشيقًا! ثمان نصائح لحياة زوجية سعيدة! ما أكثر الهراء في هذا العالم!

لا أعرف عن ماذا أتحدث ولماذا أنا أتحدث الآن بل ولمن أتحدث؟! ما أعرفه تماما أني محمّلة هذا المساء بالكثير.. محمّلة بأشواق ثقيلة وهاتفي يصرّ أن تكون “أسواق” نعم.. أظنني أشبهُ الليلة بسوقٍ تبحث فيه عن حاجتك فتحتار أكثر.. ثم ترجع مرة أخرى بخفي حنين لسبب أو لآخر! محمّلة أنا هذه الليلة بالكثير.. وترافقني تساؤلات كثيرة جدًا، لا أبحث عن جوابٍ لها، لأني اكتشفتُ أن الأسئلة ثابتة جدا ولكن الأجوبة متغيرة وليست على حال.

المبهج أنني نضجتُ كثيرًا نضجتُ حدّ النسيان، حدّ هروب الفكرة قبل ولادتها. نضجتُ إلى درجة لم أعد أندمُ فيها أبدا. نضجتُ حدّ اللامبالاة.. حد الوجع، واعتياد الوجع، والتلذذ بالوجع..

حرفي لايهم يا أصدقاء كنتُ أود أن أكتب كيفما شاء القلم. وهكذا شاء.. ثم كتب

١ يناير ٢٠١٦

١:٠٠ صباحا