في أمريكا · سينما · ضوء

العثور على أرض الخلود في نيويورك 

في الثاني من أبريل لهذا العام ٢٠١٦ أعلن نادي الأنشطة في جامعة ماري وود التي أدرس فيها حاليا عن رحلة لحضور عرض من عروض برودواي الشهيرة في نيويورك. حضور إحدى العروض هناك كان حلمًا من أحلامي الصغيرة. توجهت لمكتب النادي وحجزت مقعدا في حافلة الرحلة. لم أهتم بمن يرافقني ولم يرافقني أحد أعرفه بشكل خاص.. كان الهدف الأهم بالنسبة لي حضور العرض وحسب. ومصادفة، قابلت زميلتين في المكتب توجهن لنفس الغرض. فطلبن مني أن أنضم إليهن خلال الرحلة. أومأت برأسي بالقبول بكل ترحيب.. وبيني وبين نفسي لم أشأ مرافقة أحد على الإطلاق، كنت أود قضاء الوقت وحدي والاستمتاع وحدي ومعي. لكنني قدمت متأخرة جدا وإذا بزميلتاي امتطين مقعدين في الخلف. وكان نصيبي مقعدٌ أمامي. كان يجلس بجانبي طالب هندي الجنسية اسمه دي چيه. تحدثنا ويبدو أننا الوحيدين تقريبا طلاب دوليان بين طلاب أمريكيين. ولعلها كانت مصادفة لطيفة! 

واكتملت المصادفة كذلك في مقاعد العرض تفاجأت أنه هو الشخص الذي يجلس بجانبي كذلك! 

المهم، عندما وصلنا إلى مدينة نيويورك، وهي تبعد ساعتين تماما عن مدينتي -سكرانتون- توقف الباص وكنت تقريبا أول الفارّين منه المنطلقين في شوارع نيويورك في ذلك الصباح الممطر الجميل..

لا أحب الانتظار أبدا ودائما ما أرغب بالأماكن القريبة من المخرج سواء في الطائرة أو في الحافلات وكذلك في صفوف الدراسة لأكون أول الهاربين.. 

 توجهت لأقرب مقهى وتناولت قهوتي وإفطاري. وحيدة إلا من ذكرياتي وأشواقي وحبي للحياة.

هي هكذا المدن الكبيرة المكتظة بالناس تشعل فيك الحنين لأشياء تظن أنها قد ماتت في داخلك، ولكن المارّة كأن في أقدامهم أجراسًا تدق فيك، ربما لأنهم انعكاسًا بطريقة ما لانكسارات ولإنجازات ولأشياء أخرى كثيرة. 

من أجل ذلك أحب أن أكون وحيدة وممتلئة في ذات الوقت في مدينة لا تنام مثل مدينة نيويورك..  

كان العرض يبدأ في الثانية ظهرا؛ مايعني أني قضيت ما يقارب الأربع ساعات أراقب المارة والمطر من نافذة المقهى..

في تمام الواحدة والنصف اتجهت إلى شارع ٤٦ الغربي في مدينة نيويورك حيث موقع العرض… 

كانت قائدة الرحلة تقف بالتذاكر أمام البوابة، استلمت تذكرتي ووقفت تلقائيا في طابور منظم أنتظر مع المنتظرين وقت الدخول.. 

دقائق معدودة ودخلنا، وأول ما شد انتباهي هو الجدارية الضخمة التي تعرض مسارح نيويورك في الخمسينيات.. كانت مدهشة بتفاصيلها الدقيقة والجميلة.. 

تعرفت على عدة أشخاص لطيفين للغاية أثناء انتظارنا؛ كريستين وصديقها الضرير مارك.. 

دخلنا المسرح وانتشرنا بحثًا عن مقاعدنا.. 

قبل بدء العرض بدقائق معدودة، وقف أحد المنظمين وقال كلمة قصيرة مفادها: الرجاء عدم استخدام الهواتف النقالة أثناء العرض. الكاميرات غير مسموح بها. واستمتعوا بالعرض! 

لم تكن كلمة قيلت وحسب.. بل كانت فعلا أيضا!

لم أرى نقطة ضوء واحدة في المسرح، كانت القداسة هي سيدة المكان.. احترام وتطبيق تام للقوانين. 

استوقفني هذا المشهد كثيرا وتأثرت به كثيرا جدا..

أما العرض فحكاية مقدسة أخرى..

لحسن الحظ أني تمكنت من حضور مسرحية العثور على أرض الخلود”Finding Neverland” والتي تعرض للمرة الأخيرة خلال هذا العام ٢٠١٦!

كان العرض جميل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. قصة المسرحية راقية جدًا. التمثيل احترافي للغاية. وأكثر ما نال إعجابي هو المقطوعات الموسيقية والآداء والإخراج المسرحي. لم أمنع نفسي في نهاية العرض من الوقوف والتصفيق بحرارة لذاك الجمال الذي أتمنى أن يتكرر في عروض أخرى.. 

ساعتان في المسرح..ساعتان من جمال.. ساعتان من رقي.. ساعتان فخمتان لي وللزمن.. لن أنساهما أبدا. 

بعد خروجنا من المسرح بكل هدوء وانسيابية تماما كما دخلنا، كانوا الممثلين يقفون في الصالة الخارجية إما للتصوير معهم أو لجمع التبرعات لصالح مرضى السرطان.. 

تمنيت أن أجد المسرحية مسجلة في أقراص دي ڤي دي لأعود إليها كلما احتجت جرعة من جمال، و لكن بطبيعة الحال عروض برودواي لا تتوفر إلا على مسارح حقيقية ولعل هذا مايميزها وتستحق أن يشد لها الرحال. 

اترك رد