في أمريكا · آخرون

تحدثوا إلى الغرباء..

في يوم من الأيام كنت في زيارة سريعة قصيرة لمدينة نيويورك كزياراتي دوما لها بحكم قربها الجغرافي من المدينة التي أدرس فيها. قمت برفقة أخي بطلب سيارة توصيل عبر شبكة أوبر. فكانت أقرب سيارة في موقعنا لسائق باكستاني مسلم اسمه عادل. وصلت السيارة وركبنا، وانطلق بنا إلى الموقع المراد. 

كانت الطرق مزدحمة بطبيعة حال هذه المدينة الصاخبة. قضينا مايقارب الساعة والنصف في طريقنا لوجهتنا. لم تكن هذه الساعة والنصف طويلة بل كانت كعشر دقائق فقط! ليس لانبهاري بمدينة نيويورك ومبانيها الضخمة وشاشاتها المضاءة في كل مكان. بل لانبهاري واستمتاعي بحديثنا مع ذلك السائق! ربما لم يكن يقول كلاما مدهشًا ولكن كان في كلامه نبرة صدق وتأثر وشغف..

حدثنا بما حدثنا في بداية المشوار إن كنّا نريد تعلم اللغة الإنجليزية على أمثل وجه فالبلد المناسب تماما هو إنجلترا. هذا السائق مهندس يحمل شهادة الماجستير عاش وتعلم في لندن-إنجلترا. و لغته الانجليزية مثالية جدا. يعمل سائق أوبر كدوام جزئي. 

كنت أنظر إليه وهو يتحدث وفي عقلي تساؤل كيف ولماذا يعمل سائقًا وهو يحمل مؤهلات عالية و لديه كاريزما مختلفة ومميزة؟! لم أطرح تساؤلي عليه ولكن الحديث قادنا إلى إجابة كلها حكمة. قال: أنا أكره هذه الوظيفة جدا، ولكنني مضطر لها إلى أن أجد الوظيفة التي أستقر معها وتستقر معي. وبالرغم أني أكره هذا العمل إلا أني أتعلم من كل راكب معي درسٌ جديد ربما لم أكن لأتعلمه خلال سنوات في وظيفة أخرى تمنعني من مشاركة الآخرين بصفة مباشرة. 

“أتفق معه تماما” 

ثم قال مردفًا لحديثه: عندما تتخرجين وتنهين دراستك اطرقي كل باب. جربي كل شيء. قد تصابين بخيبة أحيانا وقد تسعدين وتفوزين أحيانا أخرى. ولكن تأكدي أنك ستصلين إلى ماتريدين وعندما تصلين إليه تمسكي به تماما وواجهي العالم به. هذه العبارة منذ أن قالها لي وأنا أتذكرها دومًا. وكأنني التقيت به ذلك اليوم لأسمع منه هذه العبارة كي تلازمني في طريقي لأحلامي.

أيضًا ضمن حديثه سألنا، كيف يمكنه أن يتعلم ويجيد اللغة العربية؟! أجبته: كما تتعلم وتجيد أي لغة أخرى. فقال، أن اللغة العربية إطلاقًا ليست كأي لغة أخرى. ثم طرح مثالا عندما يكون حاضرًا صلاة أو خطبة الجمعة في أحد الحرمين الشريفين. يقول: أغبط أولئك الباكين المتأثرين بما يقول الإمام وأشعر أنهم أسعد بشر على وجه الأرض وأنهم يعيشون لحظات لذيذة. وأنا أنظر بعينيّ بكل حسرة لا أفهم شيئًا وأرجو كل الرجاء أن أكون مثلهم! لا أعرف ولكنني تأثرت بكلامه بشكل كبير جدا. ثم قلت له: لا أظنك إلا أسعد منهم لأنك تحمل شغفًا كبيرًا قد لا يملكون قليلا منه!

انتهى مشوارنا مع عادل ولم ينتهي رنين كلماته في عقلي! ولست أدري إن كنت سأقابله يوما ما أو حتى أتذكره وأنا قد وصلت إلى ما أريده فعلا.. 

نعم قد لا يهم أي أحدٍ ما كتبته اليوم ولكنه يهمني جدًا ويهمني حديث الغرباء العابرين. وأكتبه لأعود إليه يوما ما..

تحدثوا إلى الغرباء.. واسمعوا منهم.. لربما تجدون لديهم خطوة الألف ميل من سعادة ونجاح! 

2 thoughts on “تحدثوا إلى الغرباء..

  1. رائعة هذه التدوينة يا أروى.
    اعمل ما تحب ليست حقيقية الآن، يجب أن نعمل غير مانحب أحياناً لإن الحياة ليست كما نريد.

    شكراً أروى على هذه التدوينة المميزة حقاً..

  2. صحيح يا محمد يجب أن نعمل غير ما نحب! الفرق أننا نستطيع أن نضفي على الأشياء نكهتنا الخاصة ومنظورنا الخاص كي تمضي الحياة مما ينبغي. أسعدني جدا تعليقك.

اترك رد