في أمريكا · ضوء

والحلم والترحال..

هذه هي السنة الرابعة لي في أمريكا ولو كان العمرُ يقاسُ بالتجربة السعيدة لكان عمري أربعة أعوام فقط. لستُ نادمة على عمرٍ قضيته بأي شكلٍ من الأشكال بل سعيدة بما قطعته من تجارب مختلفة حتى الآن. أعلم يقينا أن وجودي في أمريكا مرحلة وستنتهي أيامها يوما ما. لكنها في الواقع ليست مجرد مرحلة بسيطة ولا أظن أني سأنسى تفاصيلها الصغيرة ذو التأثير الكبير جدا على حياتي برمتها. بل أظنها وأدرك تماما أنها من أهم مراحل حياتي على الإطلاق.

استقراري الآن في مدينة سكرانتن في ولاية بنسلڤينيا هو نقلة استراتيجية ربما خططت لها من قبل ولكن ليس لهذه الدرجة من الدقة. لذا فأنا محظوظة جدا. مدينة سكرانتن مدينة متوسطة في مستوى معيشتها وفي مساحتها وعدد سكانها. فهي مناسبة جدا للدراسة. لم أحبها عندما انتقلت إليها في البداية كوني انتقلتُ من الساحل الغربي. ولكني أحببتها لاحقا بعد التنقل منها إليها. وأحببت في الواقع مكانًا أنشأتُ منه تفاصيلا تشبهني فأشعرتني بالانتماء أكثر. 

المهم، كنت في مدينة بيتسبرغ اليومين الماضية وأعتبرها من الأماكن الحلم التي زرتها حتى الآن بكل صدق. أحببت شيخوختها الفاتنة. أحببت هدؤها ورونقها. أحببت مطرها الناعم الذي يداعب كل من يمضي فوقها. أحببت جسورها المهترئة وهي المدينة الشهيرة بجسورها. أحببتُ أطلالها التي تجمعُ أطرافها وتغذيها بنهرها العذب الرائق في لحظة ساحرة كلحظة غروب ذلك المساء الرطب العليل. 

من أسباب إعجابي بهذه المدينة كتاب المحاضرة الأخيرة لراندي باوش الذي كان محاضرا في جامعة كارنيجي ميلون الواقعة في هذه المدينة. عندما وصلت الحرم الجامعي أثناء تنقلنا بالسيارة استذكرتُ سيرة ذلك الرجل العظيم وكفاحه الطويل مع مرض السرطان ومحاضرته التاريخية الأخيرة ليس فقط لأطفاله وطلابه كما قال في كتابه بل لكل إنسان لديه حلم وطموح يحتاج أن ينهض به كي يعيش كما يرغب. 

زيارتي كانت ليومين فقط لذلك اكتفيتُ أن أتنقل في شوارعها وساحاتها مشيا على الأقدام واكتشاف الأماكن دون تخطيط مسبق. وهذا سبب آخر لإعجابي بها، فأنا أحب الأماكن الهادئة ذو المسافات القريبة التي تشعرني بقدرتي على التنقل بأريحية وعدم حاجتي لوسيلة مواصلات. بيتسبرغ من تلك المدن قليلة الصخب كثيرة الدهشة. تدعوك إلى الابتسام في كل مكان؛ والنَّاس فيها يبدون سعداء جدًا لسبب أو لآخر. طقسها بالمجمل جميل، والقهوة والموسيقى في كل مكان. وهذه أسباب جوهرية!

زرت جامعة بتسبرغ قاصدة مطبخ الصراع الذي أنشأه عدة طلاب من مختلف الجنسيات في الجامعة. الكاتب عبدالله العودة كتب عنه هنا في مدونته. وهذا سبب آخر لإعجابي بهذه المدينة أنها تحتوي مشاريع جذابة كفكرة مشروع المطبخ والتي أراها إبداعية ومثيرة للغاية تجعل كل من يزوره يغذي معدته وعقله بنقاش تفتحه وجبة إيرانية، فلسطينية، كورية أو غيرها من بلدان الصراع مع أمريكا!

المسافة من سكرانتن إلى بيتسبرغ تبعد مايقارب خمس ساعات بواسطة السيارة. والطريق إليها تحفة فنية سبحان من أبدعها. لذا لم يكن الطريق مملا أبدا، ومن المدن القريبة لها مدينة شيكاغو وكليفلاند. 

كان القمر سيد الأحلام والسفر في تلك الرحلة. وأكتب هذه التفاصيل كي أعيشها مرارا وتكرار. 

صور من الزيارة:

اترك رد