في أمريكا

حدث معي -2-

الليلة سأحدثكم عن موقف حدث في أول سنة لي في أمريكا في مدينة يوجين في الساحل الغربي، وكان ذلك في أواخر سنة ٢٠١٣. كنت حينها في مرحلة تعلم اللغة، وفي الواقع كنت أغتنم أي فرصة للتحدث مع أجنبي يتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة. لا أخاف ولا أتردد من التحدث مع أي أحد. حتى حدث هذا الموقف الذي أعادني للوراء قليلا.. كنت في المحطة أنتظر الباص لأعود إلى المنزل بعد التسوق من السوبرماركت. فجلس بجانبي رجل كبير بالعمر ويتحدث اللغة الانجليزية بطريقة مكسرّة. عرفت من حديثه أنه إيطالي. بدا لي هذا الرجل غريب جدا. كان يحمل معه صناديق كرتونية فارغة. ثم جلس يحدثني أنه مهتم أن يتعلم اللغة العربية وأنه يبحث عن مدرس أو مدرسة عربية. وأنه حاليا طبيب أمراض عقلية. ولكن مظهره الخارجي ورائحته النتنة وطريقته في الحديث جعلتني لا أصدقه إطلاقا.
من طباعي التي تتعبني أحيانا أني أجامل كثيرا خاصة في المواقف العابرة مثل هذا الموقف، لا أحب أن أتسبب لأي أحد بجرح أو ألم. بكلمة أو موقف أو تصرف قد يكون عادي. لذلك تحملت هذا الرجل وتحملت أن أتحدث معه طيلة وقت انتظاري للباص. وكنت أنتظر قدوم الباص بفارغ الصبر كي أنصرف عنه بلطف. لكنه لازمني حتى في الباص وجلس بجانبي! 🙁
بدأت أشعر بالخوف وأصبح المنزل فجأة بعيدا جدا..
طلب مني أن أكتب له رقم هاتفي لأنه يرغب أن أدرسه اللغة العربية! أخبرته عدة مرات وبلباقة -متناهية- أني لست مدرسة ولا أعرف كيف أدرس! فأصرّ وقال لي -وكأنه أراد إغرائي- أنا سأعلمك الإيطالية وأنتِ ستعلمينني العربية! لم أعرف كيف أتصرف وقتها، وكان بيده ورقة وقلم ليكتب رقم هاتفي. كتبت له رقمًا وهميا ليس رقمي. كل هذا حتى لا أتسبب بجرحه دونما أشعر.. وحتى أخلّص نفسي من الموقف بأي شكل من الأشكال..
وصلت عند محطة المنزل ونزلت سريعا.. خشيت أن يلحق بي ولكنّ الله سلّم..
مكثت مايقارب أسبوعًا وأنا خائفة من هذا الرجل بشكل غير عادي..
رأيته بعد ذلك عدة مرات وتظاهرت أني لا أعرفه..
كان يشير إليّ ويسأل بصوت مرتفع يسمعه الكل “دو يو سبيك آرابيك؟!”
تظاهرت أني لا أسمعه..
ربما لا فائدة من ذكر هذا الموقف. و لكنه من المواقف العالقة بذهني حتى هذا اليوم. كما أنه جعلني أفكر ما إذا كانت مجاملتي له في البداية تصرفًا طبيعيا أم لا؟
ربما كان يجب علي أن أعيد النظر أكثر في مسألة المجاملة، لا سيما إذا تعدت إلى أن تضر صاحبها بشكل أو بآخر.
ماذا عنكم إلى أي مدى تجاملون الآخرين؟! وهل تجاملون على حساب أنفسكم؟!

4 thoughts on “حدث معي -2-

  1. بالتأكيد نجامل وخصوصا في أوقات معينه في العمر تجتاحنا رغبه اكثر بالتواصل مع الاخرين ، سمها ما شئت هذه الحاله ، المهم نرى فيها اشياء لا تعجبنا من تجاوزات الأخرين ..

    المواقف كثيره في حياتي ، جمالها اني انساها ولا احفظها

  2. أسوأ أنواع المجاملات تلك التي تشجع الآخرين على تجاوز الحدود المفترض وضعها بيننا وبينهم، التعامل بذوق ولباقة مطلوب ولكن بشرط أن يكون ذلك ضمن استراتيجية تعامل تضمن عدم ” الميانة” 🙂
    مدونتك جميلة أروى .

اترك رد