مهم إلى حدٍ ما · آخرون

أنا لستُ في غيبوبة!

756281
شاهدت البارحة حلقة سيلفي والتي كانت بعنوان “غيبوبة”. مدة الحلقة كالعادة ٣٠ دقيقة، ولكن تجاوز التفكير في مادتها فترة أطول. لذا أحببت أن أشارككم مخرجات تفكيري بالحلقة.
قبل أن أبدأ أحب أن أذكر رأيي في هذا المسلسل بأنه رائع وكل موسم يتفوق على الموسم السابق. بالتأكيد إبداع النص هو السبب أولا، والذي يقف خلفه القلم السعودي المبدع خلف الحربي. وأما السبب الثاني فهو الممثل الكبير ناصر القصبي وزملاؤه.
حسنا، ما قصتي مع هذه الحلقة بالتحديد؟ ولماذا أكتب عنها الآن؟ لهذه الحلقة أبعاد عميقة جدا، ليست فقط كما ظهرت كقصة رجل دخل في غيبوبة لمدة ١٥ سنة بسبب حادث سيارة. فكما صور الكاتب أن الحادثة وقعت في زمن الملك فهد يرحمه الله، وعندما أفاق الرجل “عمر” من غيبوبته في الوقت الحالي في عهد الملك سلمان!
ربما أراد الكاتب أن يقول أن الحياة تتغير وهذه طبيعتها، سرعة التغيير لا تقاس بالزمن بل بحجم الأحداث الواقعة خلال هذا الزمن. الربيع العربي ٢٠١١ -على سبيل المثال- غيّر العالم العربي في سنة واحدة، ولايزال التغيُّر مستمرا وإلى أين؟ الله وحده يعلم! أقول التغيّر وليس التغيير لأن هناك قوة غامضة صنعت هذا الحال. لم تكن قوة شعبية كما كنّا نسمع ونرى في البدايات ليسمى الوضع “تغييرا”. “على أية حال لستُ مطلعة جيدة على هذا الجانب ولكنه مجرد استطراد”
المهم، ماحصل في حلقة سيلفي أبعد بكثير من مجرد عرض للأحداث الواقعة خلال فترة غيبوبة عمر. عمر يمثل كثير من أولئك الناس الذين أدركوا وليس بيدهم حلا سوى المواكبة والشعور بالألم، أن التكنولوجيا ووسائل السوشال ميديا أصبحت مهيمنة و لم تغير الزمان والمكان فحسب بل غيّرت حتى النفوس. أصبح الإنسان منكبا على أجهزته يراعِ مشاعر المجهولين خلف الشاشات أكثر من المقربين الذين يجلسون بجانبه. أصبح الإنسان في عزلة حقيقية عاجزا عن التواصل لأنه ببساطة لم يعد يملك هذه المهارة أو لم يتعلمها بالأحرى. ولم تعد تغريه أحاديثا مباشرة عن الحياة الحقيقية. أصبحنا نضحك على كبار السن عندما يتعاملون مع أجهزتهم الذكية بطريقة ما تعبر عن صعوبة تعايشهم مع هذا النمط الجديد من الحياة. وأنا متأكدة أنه سيأتي زمن يُتخذ منّا نحن أضحوكة على تقنية جديدة لا نعرف أن نتعامل معها!
ماحصل في حلقة سيلفي يصور نوعين من البشر في هذا الزمن؛ الأول: أولئك الذين لديهم قدرة على مواكبة الحروب والأزمات لدرجة التبلد. والثاني: هم “عمر” وآلاف مؤلفة من عمر، يعيشون في غيبوبة تامة لا يغيرون ولا يتغيرون ولا يريدون أي شيء أن يتغير. وللأسف أن كلا النوعين ليس مما يطمح له مجتمع حضاري متقدم.
فالأول بالرغم أنه يتعايش إلا أنه بعبارة عاميّة “مع الخيل يا شقرا” لاشيء يميزه ولا يملك بيده شيئا يجعله متفردا عن غيره. نعم نحن في زمن أفقد الحياة تنوعها لدرجة أصبح الإنسان غير قادر على الاختيار. أصبحت الموجة تأتي به وتذهب.
أما الثاني، فهذا نوع آخر من الناس لا يزال يعيش في زمن سابق، مهما تقدم الزمان لا يريد أن يقتحم هذا التغيير عقر داره. يخاف من الجديد لدرجة “مرضيّة”، متمسك بأفكار لا تسمن ولا تغني من جوع، أفكار لم تعد صالحة لهذا الزمان، بل تكاد أن تصبح رموزا لا يفهمها إلا من عاش في زمنها! الإشكالية في هذا النوع من الناس أنهم مؤثرون ليس على أنفسهم وحسب كما هو الصنف الأول بنظري بل وبنسبة كبيرة على الآخرين، لأنهم يحاربون لحماية القوقعة التي يعيشون فيها، يؤذون ويؤذَون..
أخيرا أحب أن أقول، أنا لستُ في غيبوبة لذا أنا أتغيّر..
أنا لست في غيبوبة لذا أنا أخطئ وأسامح وأتعلّم..
أنا لست في غيبوبة لذا أحبٌ الحياة كل يوم وأشتاق لكل تفاصيلها الصغيرة..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أتنفس كل يوم هواء جديدا وتبزغ في ذهني أفكارا جديدة..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أفرح اليوم وأحزن غدا، أنجح و أفشل و أحاول مرة بعد أخرى..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أحلم ليلا ونهارا..
أنا لستُ في غيبوبة فلا تغيبوني عن الحياة!

اترك رد