ثلاثون يوما

يوم #١٤

IMG_3808

في يوم من أيام فصل الربيع قابلت برفسور في جامعتي. برفسور في قسم الخدمة الاجتماعية. أحبها وأقدرها جدا وعلاقتي بها أكثر من كونها علاقة طالبة بأستاذة. مهتمة كثيرا بمسألة التنوع الثقافي والعرقي. كنت أقابلها أسبوعيا خلال الفصل الدراسي السابق، كوني أدرس معها مادة متعلقة بالمرأة والعولمة. كنا نتناقش كثيرا بأفكار مختلفة بل وأحيانا كحديث بين أم وابنتها. كنت أحكي لها عن كل شيء وكيف أشعر وأفكر وأعيش كطالبة أجنبية تقضي بعض من سنوات عمرها في الغربة لأجل الدراسة واكتساب المعرفة والخبرة.

شخصيا لا أحب النصيحة إذا لم أطلبها. وحتى عندما نصحتني ذلك اليوم بالتحديد، سمعت نصيحتها ولم أرعِ لها اهتمام بالغ.

قالت لي: أروى أنت شخص مختلف ومن يعمل معك أو يصبح  قريبا منك هو من يكسب أولا فلا تسمحي لأحد أن يستخدمك لمصالحه الخاصة بشكل أو بآخر.. أو أن يجعل منك جسرا لنجاحاته أو حتى مرحلة وقتية لشفاء جراحاته.

لم أهتم كثيرا لما قالت، و تمنيت أن أعبر عن رأيي الشخصي بكلامها هذا ولكن اخترت أن أنصت وأحترم تماما كما تفعل البنت بحضرة والديها..

تمنيت أن أقول لها أني لا أعتقد أن لديّ ما يستحق كل هذا الكلام أو أن أكون أنا سببا لنجاح أحد ما.. وإن حصل فهذا جميل جدا وأعتبره نجاحا لي كذلك!

أنا أفهم حديثها ونصيحتها جيدا، ولكن من الصعب جدا أن أكون بمعزل عن الناس لظني كل الظن أن هناك من سيستغلني.. وهناك من سيسمح لنفسه أن يسرق مني فكرة أو أن يصبح صديق مصلحة أو أي شيء من هذا القبيل.

أعتقد أن الوضوح في كل العلاقات أمر هام جدا لنجاحها. والتكتم على مالا يعجبنا بدعوى حفظ العلاقة من الانهيار والتدهور لهو أول الطريق لهذه النتيجة بل وعلى نحوٍ سيء.

أعترف أنها فتحت عيناي على باب جيد للتعامل مع فئة نوعية من الناس..

الصراحة أحيانا تفقدنا بعض العلاقات التي نرى أنها جيدة بما يكفي لأننا لم نفهم الهدف منها ولم ندرك أهميتها. أؤمن جيدا أن الصراحة والشفافية وسيلة لتنقية القلوب وليس لتصفية الحسابات. وكما يقول تولستوي: “الصراحة مهما قست تبدد السحب”. هي مطلب مهم لوضع النقط على الحروف لفهم أعمق لأي طرفي نقيض، ولإزالة كثير من الالتباسات التي نحبسها في دواخلنا حد الانفجار بصورة لا نطمح لها.

ليس الصحيح أن نجافي الآخرين خشية الاصطدام بهم. بل لا يصح إلا الاحتكاك بهم بكل لطف وذكاء و “دهاء” أحيانا إذا تطلب الأمر.

أفهم جيدا مغزى نصيحة البرفسور لي، و ممتنة كثيرا لنصيحتها التي صنعت لي أداة جديدة في التعامل لا سيما وأنا شخصية أجامل كثيرا كي لا أكون سببا لجرح فلان أو علان. لكنني وصلت إلى قناعة أصبحت مع الأيام مبدأ أساسي، أن المجاملة ليست هي الحل الأمثل لعلاقات راقية و “سوية” إن صحّ التعبير هنا.

لعلي أختم ثرثرتي هنا بقول جميل لعبدالوهاب مطاوع رحمه الله يختصر كل ماقلته: “الاقتراب الشديد من الجميع قد يغرس أشواكهم فينا و يغرس أشواكنا فيهم .. و البعد عنهم أيضاً يفقدنا الأمان و الدفء و يجعل الحياة قاسية و مريرة لهذا فنحن فى حاجة دائماً إلى أن نتلامس مع الآخرين .. و لكن بغير التصاق شديد يفتح علينا أبواب المتاعب، و يحجب الرؤية و يشوش السمع”.

————

هامش:

-مصادفة لم أخطط لها أن اليوم السادس من أغسطس هو ذكرى وفاة عبدالوهاب مطاوع رحمه الله