ثلاثون يوما

يوم #٢٠

لا أحب أن ألفظ أسماء الطوائف على لساني لأي غرض إلا في مواقف أكون مضطرة لذلك، و أعتبر التحدث عن أي طائفة أو مذهب أو عرق أو دين وجعل كلٌ في فئة تميزهم ليس لائقا ولا مقبولا على الإطلاق. 

بداية، دعوني أكرر ماقلته سابقا بأن البعثة من أجمل ما حصل لي في حياتي من جوانب كثيرة. واحد من أهمها هو التعايش مع الأخوة الشيعة ومعرفة عدد منهم عن قرب كأصدقاء وزملاء دراسة وجيران.. في الواقع منذ زمن طويل وأنا أسمع كلمة “شيعة” في الحي في المدرسة و في الشارع. ولم أكن أعرف ماذا يعني هذا المصطلح! 

جارنا قبل عدة سنوات عندما كنت في مرحلة الطفولة، كان شيعيا مع عائلته وكنا نتزاور كثيرا ولم يكن بيننا إلا كل الود والاحترام. وكنت أظن في ذلك الحين أن كلمة -شيعي- مثل كلمة -سعودي- مثلا، مجرد جنسية وحسب! إلى أن كبرت وعرفت أنها طائفة دينية بجانب الطائفة السنية. وفي الواقع ممتنة لوالديّ أنهم لم يزرعوا فينا الطائفية ولم يعودوننا أن نطلق الألقاب على أي أحد. وأن نتعامل مع الناس بناء على أخلاقهم لا على أشكالهم، ألوانهم، جنسياتهم، ومعتقداتهم! لا أزال أتذكر جيدا صديقات مرحلة الطفولة كانوا من دول مختلفة، من فلسطين، السودان، الصومال، تونس، والسعودية من كافة أنحاء المملكة. 

هذا التنوع الذي شهدته في طفولتي صنع مني شخصا متقبلا للجميع وأعتقد أني أنا وإخوتي الكبار على الأقل محظوظين جدا لهذا السبب. وشخصيا أعتبر مرحلة الطفولة هي المرحلة الأسمى والأكثر تأثيرا على بقية مراحل حياتي. 

أتذكر في المرحلة المتوسطة تحديدا، عرفت معنى كلمة شيعي. عندما كانت تدرسنا في مادة الجغرافيا معلمة من مدينة القطيف. أعترف أني درست في مدرسة سيئة على كل الأصعدة. والسبب أنها الأقرب إلى منزلنا حيث لم نكن نسكن في وسط المدينة في ذلك الحين. المهم، كنت أنزعج جدا من بجاحة الطالبات في التعامل مع المعلمة، وفي عدم احترامها لأنها فقط مختلفة عنهم بطريقة أو بأخرى. كنت وبلا مبالغة أنا الطالبة الوحيدة في الفصل المستمعة لشرح المعلمة والمقدرة لوقوفها أمامنا مثلها مثل أي معلمة أخرى! ولست أمدح نفسي هنا بل أؤكد أني كنت في أسوأ مدرسة على الإطلاق! 

كنت أحزن كثيرا لحال المعلمة، ألا يكفي أنها متغربة عن أهلها ومكانها؟ و زيادة على ذلك تعامل عنصري مقيت؟ متأكدة أن هذه المعلمة كانت تواجه العنصرية في المدرسة ليس فقط من الطالبات، بل حتى من المعلمات. أنا لا أفهم جيدا كيف يتجرأ البعض أن يكون سيئا و مؤذيا وهم لا يقبلون السوء والأذية على أنفسهم! ألا يخافون من أيام ستدور وتضعهم في الموضع ذاته؟ لا أعرف ماذا يكلف البعض أن يكونوا لطفاء مع غيرهم.. هل هناك أبسط من ابتسامة، كلمة طيبة، وفي أقل الأحوال كف الأذى عن الآخرين؟! على أية حال كل إنسان يمثل نفسه وتربيته ونمط معيشته بتعامله مع الآخرين .. وكل إنسان لا يضر ولا ينفع إلا نفسه، مايفعله اليوم يحصده غدا.

جارتي الأقرب في أمريكا كانت شيعية وواحدة من أكرم وأجمل القلوب التي عرفتها في الغربة. كانت لي أكثر من جارة، كانت أخت و أمها عندما زارتها خلال الإجازة الصيفية كانت كأمي. عرفت في ضيافتهم وقربهم أننا أخوة وعائلة ولا تفرق بيننا الطوائف والأسماء والألقاب.

في أحد صفوف المعهد، درست معي طالبة شيعية، وطالب شيعي. كانت الطالبة خلوقة جدا، وأشعر بارتياح معها قد لا أشعره مع واحدة سنيّة.. وليس السبب ماهي طائفتها، بقدر ماهي أخلاقها. أما الطالب، فكان منعزلا طوال وقته لا يحتك بأحد على الإطلاق لا بخيرٍ ولا شر. وفي الواقع أتفهم جيدا انعزال البعض لأنني أدرك جيدا نتانة الطائفية وما تفعله في النفوس! 

في يوم من الأيام قام شخص مبتعث متطوع بجمع كل رؤساء أندية الطلبة في أمريكا وبريطانيا في مجموعة على برنامج “واتساب”. لم أكن أعرف هدف المجموعة لكن قبلتها لأرى إن كان هناك من فائدة نجنيها معا أو من خدمة نستطيع تقديمها. مضى يومان ولم أرى إلا رسائل عادية تماما كأي مجموعة في الواتساب! وفي لحظة قام أحدهم بإرسال مقطع ڤيديو يسيء للشيعة. ولم يتكلم أي أحد في المجموعة! 

فتكلمت أمام الجميع مع الإشارة إلى أنني لست شيعية، بل ليس كل سنّي طائفي بالضرورة وليس كل شيعيّ أيضا طائفي بالضرورة. واعتذرت لكل الأخوة الشيعة في المجموعة عن الإساءة العلنية التي شخصيا لا تمثلني لذلك أنا أتكلم! ثم غادرت المجموعة. 

أحزنني الأمر جدا، لاسيما أنه حدث هنا في الغربة، في الظروف التي تجعل الكل أخوة ورابطة واحدة مهما اختلفوا. إذا كان الابتعاث إلى بلاد تنبذ العنصرية وتدعو للمساواة والعدالة لم يغيّر بعض الناس، فمالذي سيغيرهم؟ ومالذي سيرفعهم عن مثل هذا المستوى من التفكير؟ الابتعاث فرصة عظيمة جدا للتقارب والفهم والاحترام المتبادل، ليس طريقة أخرى لصنع مزيد من الأحزاب والتفرقة. 

ممتنة حقيقة لهذه الغربة أن جمعتني بأشخاص من ثقافات وديانات و اعتقادات مختلفة، باليهودي، بالمسيحي، بالبوذي، باللاديني، بالشيعي، بالسني.. بالأسود، بالأبيض، باللاتيني.. وغيرهم.. ممتنة لهذه الغربة التي علمتني جيدا معنى الإنسان، والإنسانية.

 

2 thoughts on “يوم #٢٠

  1. بعيدة عن مايحدث في تويتر وغيره.. ولعلها حسنات التحدي. رحم الله الفنان الكبير عبدالحسين

اترك رد