في أمريكا · ثلاثون يوما

يوم #٢٣

..

اليوم سأمسك العصا من المنتصف وأحدثكم عن واحدة من الأشياء التي لا تعجبني ولا تقنعني في أمريكا. وهي الـ tip أو ما نسميه “البقشيش” 

بدأ البقشيش في أوروبا أولا في القرن السابع العشر تحديدا في إنجلترا. أما في أمريكا فبدأ بعد الحرب الأهلية الأمريكية في أواخر ١٨٠٠ م. وفي عام ١٨٩٠ بدأت حركة في أمريكا ضد البقشيش، آمن فيها بعض الشعب الأمريكي أن البقشيش ضد مباديء البلاد ويصنع الطبقية المجتمعية التي كوفحت بصعوبة في فترة من فترات التاريخ الأمريكي. في عام ١٩١٦ حاولت ست ولايات من ضمنها ويسكونسون، إلينوي، ساوث كارولاينا بأن تنص قانون منع البقشيش ولكن فشلت في النهاية. واليوم، يعتبر البقشيش من الأشياء التي يقدسها الشعب ويحترمونها جيدا بالرغم أن ليس هناك قانون صريح بأن الزبون يجب عليه تقديم البقشيش. بل كما يبدو أنه قانون بفطرتهم وحسب طبيعة حياتهم، حيث لم أقابل أي أمريكي يتذمر منها. ربما لأنّ الشعب عمليون جدا وهذا “القانون” ينفعهم بشكل أو بآخر. 

شخصيا، لا أرفض تقديم المال لأي عامل، ولكني لا أقبله بالكامل أيضا. ما الفرق بين النادل والطباخ؟ مالفرق بين الحلاق ومدير الأعمال؟ مالفرق بين الباريستا والطبيب؟ لا أعرف! لماذا لا تكون لهم أجور شهرية معلومة وبعدد الساعات، مثلهم مثل أي موظفين آخرين؟ لماذا أشعر أن البقشيش مجرد إهانة للنادل والحلاق وغيرهم؟ أتذكر حلقة شاهدتها في مسلسل أمريكي، أحدهم قام بإعطاء الصيدليّ بقشيشا بقيمة ٢٠ دولار حتى يعطيه العلاج بشكل أسرع إذ كان طابور الانتظار طويل جدا والحالة طارئة لا تحتمل الانتظار. فقام الصيدلي بنهر الرجل وتوبيخه أمام الجميع ثم قال له لا تعطي بقشيشا لصيدلي أبدا. وكأنه يؤكد على وجود الطبقية في المجتمع الأمريكي، ويجب عليه أن يتذكرها دوما ويتعامل على أساسها! 

البقشيش هنا يبدو إجباريا بالتلميح. في أحد الأيام كنت ذاهبة إلى صالون وبعد الانتهاء توجهت إلى المحاسبة لأقوم بالدفع فسألتني: كم تريدين إعطاء مقدمة الخدمة بقشيشا؟ الجواب يجب أن يكون رقم معين.. وليس نعم أو لا! لماذا لم تسألني ما رأيي بالخدمة؟ هل كانت متأكدة أن الخدمة مضت على أكمل وجه؟ هل لا يهمهم رضا الزبون؟ كانت الطريقة غير لبقة على الإطلاق. 

يعجبني في بعض المطاعم تضمين البقشيش في الفاتورة. دون مواجهة الأسئلة هل كان الطعام جيدا، هل كانت الخدمة جيدة، هل كان المكان نظيفا. الخ! هذا النادل خدمني بأي شكل من الأشكال يجب أن يأخذ مقابلا على الوقت الذي يستنزفه في هذا المكان. بالرغم أن لدي مشكلة مع بعض الندل حين يتعاملون مع الزبائن “بلا نفس”، لأني أؤمن أن لكل عمل أخلاقياته ويجب على كل عامل أن يلتزم بأخلاقيات عمله مهما كانت الظروف. عندنا كنت معلمة أعترف أني لم أكن أحب عملي، ولكني كنت أجبر نفسي على محبة البيئة والعمل وتأدية الواجب على أكمل وجه وعندما وصلت إلى باب النهاية قدمت استقالتي. 

على أية حال، أنا ملتزمة بإعطاء بقشيش في كل مرة أذهب إلى مطعم أو صالون. مجرد مماشاة للمجتمع، فليس كل ما لا يعجبنا يحق لنا أن نعبر عنه. وكما يقول أرسطو “علمتني الفلسفة أن أفعل دون أوامر مايفعله الآخرون خوفا من القانون”. 

ثلاثون يوما

يوم #٢٢

أهلا.. اليوم الثاني والعشرون من التحدي! الأيام سريعة يا أصدقاء 🙂

..

في بداية سكني في شقتي هنا في مدينة سكرانتون، قمت بشراء كرسي أحمر أعجبني شكله ولونه. 

عندما وصل،  وصل إلي مفككا ويجب عليّ تركيبه بنفسي. قمت بتركيبه وكان جيدا ولكن يصعب الجلوس عليه بأريحية، إذ قد يشعر من يجلس عليه أنه سيسقط في أي لحظة! ولكنني احتفظت به، إلى أن جاءت نهايته وسقط بي تماما! 🙂 

لم أتمكن من إصلاحه لأني فقدت بعض المسامير الخاصة به. ولعلي تمنيت أني في السعودية لحظتها حيث يمكنني أن أتصل بأي نجار ليأتي ويقوم بإصلاحه. بينما الموضوع هنا ليس بهذه البساطة! فلا يوجد نجار ليصلح كرسي واحد يتيم. وذات يوم اقترحت إحدى الصديقات أن أستغل نافذة في منزلي بجعلها جلسة إضافية. ففكرت بالاستفادة من الكرسي الأحمر. 

وضعته في مربع النافذة مع بعض الوسائد الملونة. وأعجبتني جدا.. بل لا أخفيكم أنها أصبحت نافذة القراءة أستمتع بالجلوس فيها لفترة طويلة أقرأ وأستمع إلى الموسيقى وأشاهد السناجب تشاركني هذه العزلة اللذيذة. على فكرة، أنا أكره السناجب! أشعر أن عضتها قاتلة، والسناجب هنا جريئة جدا. قد تدخل في حقيبتك بحثا عن طعام غير آبهة بك على الإطلاق. “مبالغة صغيرة” 🙂

المهم هذه صورة الجلسة بعد استغلال الكرسي الأحمر بشغل المساحة.. 

يسعدني رأيكم 🙂