سينما

مراجعة للفيلم السعودي “بركة يقابل بركة”

2016082602040242
..
فيلم: بركة يقابل بركة
النوع: سعودي
إخراج: محمود صباغ
تمثيل: هشام فقيه + فاطمة البنوي
إنتاج: ٢٠١٦

قصة الفيلم تدور حول بطلين “بيبي، وبركة”. أما بركة بن عرابي فهو شاب سعودي من مدينة جدة يبدو في مطلع الثلاثينات من عمره. موظف حكومي في البلدية. يبدأ يومه متثاقلا عندما يصحو على طرق شديد لباب بيته المتهالك في أحد أحياء جدة الفقيرة. تطرق بيته “داية سعدية” امرأة كبيره في السن، لسانها طويل، مهمتها نقل أخبار الحي، غسل غتر رجال الحي وكيها، و “داية” للنساء.. ومشعوذة أحيانا! زوجها العم دعاش.. رجل يقضي غالب وقته في قهوة شعبية أمام تلفاز قديم يعرض الغناء. العم دعاش رجل يقتات على الصياح على زوجته نهارا وعلى الخمرة مساء!

بيبي حارث هي فتاة لسعودية متحضرة ومن الطبقة المترفة. بيبي اسمها أصلا بركة حارث ولكن لأنها تخجل من اسمها فالكل يناديها “بيبي”. فتاة جميلة ووالدتها ميادة تستغل جمالها وأنوثتها في التسويق والشهرة في مواقع السوشال ميديا. بيبي لا تحب حياتها التي لم تختر طريقتها بل المجتمع، العائلة، وحالتها الاجتماعية فرضت عليها نمط حياة معين. بيبي تعتبر الحياة في مجتمعها “حياة زيف”. فبالرغم من مستوى الترف الذي تعيش فيه تبدو غير سعيدة بواقعها.

في أحد الأوقات كانت لديها جلسة تصوير في شاليه مكشوف على شواطئ مدينة جدة. جلسة تصوير كونها إحدى مشاهير السوشال ميديا. كانت بلباسها العادي وكأنها في بلد أجنبي! الأمر الذي جعلني أتساءل هل هذا يحدث فعلا في مدينة جدة؟ ربما!
وفي التوقيت نفسه كانت لدى بركة جولة تفتيش عن مخالفات في نفس المنطقة! قام بعمله بشكل روتيني، تغاضى عن المخالفة وهو يردد “آخر مرة” ليتغاضى عن المخالفة ربما مدى العمر عندما رأى بيبي وسأل أحد الموجودين من تكون وإن كانت فتاة سعودية!

من هنا بدأت قصة المعرفة لتبدأ بعدها قصة الحب الممنوع. لن أكتب أكثر عن تفاصيل القصة ولكن سأكتب عن النقاط التي سلط الفيلم عليها الضوء.

أولا: يعرض الفيلم مشاهده بعدسة متطرفة إن صح التعبير. وأقصد بذلك أنه ركز على الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة في مجتمع جدة بشكل خاص والمجتمع السعودي بشكل عام كونه يضرب بصورة مباشرة في الثقافة السعودية عموما. بالرغم أن الطبقة المتوسطة حسب توقعاتي هي الأغلب في المجتمع السعودي.
ثانيا: يحاول الفيلم أن يجعل العمل خاصا بأهل جدة ويلامس واقعا آلم الكثيرين من أهل جدة وهي حادثة السيول. لم يتطرق العمل لهذه الحادثة بصفة خاصة ولكن لم يكن عبثا أيضا أن تكون البلدية حاضرة في العمل بشكل كبير.

ثالثا: عندما يأتي الحديث عن السعودية فالعادات والتقاليد المجتمعية هي سيد الموقف دائما. وأي تغييرات في البلد حدثت أو ستحدث لابد من كل فرد أن يضع هذه العادات والتقاليد في حسبانه. وهذه حالة شرقية بحتة ولا تخص المجتمع السعودي فقط، بل تشمل ثقافات أخرى كاليابان والصين وتايلاند وغيرها من البلدان التي تهتم بالسياق الثقافي المجتمعي أكثر من السياق الثقافي الفردي. في مثل هذه المجتمعات يجب على الفرد أن يفكر أولا بجماعته، بمجتمعه، وبكل جمع يربطه من قريب أو بعيد، وأخيرا يفكر بنفسه كفرد مستقل.

رابعا: من القضايا المحورية في العمل، هي قضية المواعيد الغرامية، أو العلاقات بين الجنسين خارج مبدأ الزواج، وطريقة الزواج المتعارف عليها. ولا أدعي أن رسالة العمل هي دعوة صريحة لهذا الموضوع بل وجدت العمل محاولة جيدة لدراسة ومعالجة الحالة الثقافية الحالية في المجتمع. قد يقول قائل أن العمل تطرق لهذه القضية وغيرها بكثير من المبالغات، وأقول لا يخلو عمل درامي من أي مزايدات درامية بل هذه سمة نجاح العمل الدرامي. ومن وجهة نظري الشخصية أنه لا يجب أن يكون مصدر معرفتنا الثقافية مبني على أعمال فنية تعتبر بالدرجة الأولى اجتهادات شخصية، وليس من حقي أن أحكم على ثقافة ما بطريقة ما لأن كاتب أو مخرج صورها كما يراها… بل والحكم على الأشياء خطأ فادح يؤثر على رؤية الفرد وطريقة تفكيره وتعاطيه مع القضايا من حوله، وإذا اعتاد الانسان على إطلاق الأحكام جزافا يصعب تغييره وتقبله للجديد حتى لو أدرك أن ما كان يراه صائبا في السابق أصبح خاطئا هذا اليوم! لا يوجد صواب أو خطأ، بل يوجد شك وإيمان ولا يحدث الإيمان بأي شيء من مجرد عمل واحد بل بعمل متكرر وبحث دؤوب. وعلى أية حال، ثرثرتي هذه لا تعني أني أقف مع العمل أو أقف ضده على الإطلاق.

خامسا: كانت العلاقة بين بركة وبيبي علاقة غير متكافئة. كان بركة هو الطرف الأضعف في العلاقة والأكثر جدية، بينما كانت هي الطرف الأقوى والأقل جدية. وهذا لا يعكس الواقع بشكل محسوس في نظري. وأعزو الأمر لتباين المستوى المادي والفكري بينهما.

سادسا: الأبناء والآباء وسلعة الأبناء في مواقع السوشال ميديا. وهذه ظاهرة مخيفة جدا في الوقت الحالي. أصبح التفكير بالمادة هو أساس الحياة. ولم يعد للحياة معنى سوى كيف أحصل على متابعين أكثر في انستقرام أو سناب تشات وغيرها. أصبح الفرد غريبا عن نفسه ولا يهمه إلا إرضاء غيره ونسي تماما أن إرضاء الغير غاية لا تدرك. أصبح الناس يلهثون خلف من يبيع خصوصيته أكثر، ومن يحجب الستار عن نفسه أكثر. في العمل كانت بيبي هي سلعة والدتها بالتبني “ميادة”، كون الفتاة جميلة والأم تدرك جيدا أن هذا باب رزق جميل في الوقت الحالي! المصيبة أن ما يحدث في الواقع هو استغلال لأبناء الدم وليس التبني فقط، ولست هنا في معوض إباحته على أطفال التبني أو مجهولي الهوية، فالقضية إنسانية ويجب أن تكون مرفوضة تماما!

سابعا: عرض الفيلم مقارنة مباشرة بين المجتمع السعودي قبل حادثة جهيمان في الحرم المكي، وبعد الحادثة. وكأن ما حدث طرح الخوف في قلوب الناس أجمعين، وبدأت الصحوة لتسيطر بالكامل على الحياة الطبيعية. على المرافق الاجتماعية، على التعليم، والصحة، على الأسرة والفرد. سيطر العار والعيب على العقول، وأصبح المرأة رمزا للرذيلة وكأنها لم تخلق إلا جسدا.

ثامنا وأخيرا: العمل رائع كقصة، أما الآداء لم يكن بمستوى النص إطلاقا. أبدع بالفعل الكاتب والمخرج السعودي محمود صباغ وأجزم أن قادمه سيكون أجمل.

تقييمي للعمل: ٦.٥\١٠

*ملاحظة: التدوينة قراءة للعمل وليس بالضرورة رأي شخصي.

اترك رد