مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم: Passengers!

lead_960

عودة بعد انقطاع عن التدوين..

أعتذر لهذا الغياب كونها فترة إنهاء مرحلة واستعداد لمرحلة أخرى. ولكن شاهدت فيلما خلال الأيام السابقة يحاكي فترتي الانتقالية هذه، بالرغم أني لم أخطط لمشاهدته تزامنا مع الأحداث والمرحلة الراهنة. جعلني العمل أتوقف قليلا وأفكر بمحتواه وأستمتع بتفاصيله الجميلة. ومن عادتي التي قد تكون سلبية أحيانا أنني لا أسمح لأي عمل فني، فيلما كان أو كتابا. لوحة يتيمة في حائط، أو سيناريو مع غريب في رحلة عابرة، من أن تمر دون أن تحدث أي أثر. ربما لو قلت بأن مصدر إلهامي في الحياة هي كل هذه الأشياء التي ذكرتها لاعتبرني أحدهم فارغة بلا أصول ثابتة. ولعل هذا مالا يتعارض مع طبيعتي الحرة.  لن أطيل عليكم كثيرا فالمقصود هو فيلم الركاب “Passengers” والذي يعتبر أحد أعمال سنة ٢٠١٦ المميزة.

لن أتحدث عن تفاصيل القصة بل كما العادة عن قراءتي الشخصية للعمل. بداية أعتقد أن فكرة العمل مبهرة وخيالية كما تصنف، ولكن يستطيع أي منا إسقاطها على الواقع وأحداث الحياة الطبيعية.

لمن لم يشاهد الفيلم فالفكرة باختصار تدور حول مركبة فضائية تضم مجموعة من الركاب النائمين في صناديق مجهزة. قرر هؤلاء الأشخاص مغادرة الأرض والسفر إلى الأفلون لتجربة حياة مختلفة وجديدة. ولن تصل المركبة إلا بعد مرور ٩٠ عاما من السفر. لذلك تم تخديرهم لكل هذه السنوات حتى إذا ما وصلت المركبة استيقظوا وبدأوا باكتشاف حياتهم التي غادروا الأرض من أجلها. يحدث خطأ في صندوق “جيم” وهو أحد النائمين على ظهر المركبة ليستيقظ مبكرا جدا ولا يستطيع العودة إلى النوم بسبب هذا الخلل. الأمر الذي يكاد أن يكون مرعبا للغاية، كيف سيعيش وحيدا كل هذه السنوات وفي مركبة فضائية خالية من البشر إلا من النائمين؟! وهذه الفكرة أخذتني في الواقع لمشكلة “الأرق” وعدم القدرة على النوم في الظروف الطبيعية. لابد وأن جرب أحدكم مراقبة النائمين في لحظات يهرب النوم فيها من عينيك وتصبح كالحارس بينهم وعلى رؤوسهم. تتأمل وجوههم وتتمنى لو كنت واحدا منهم. تنتظر أن يستيقظ أحدهم ويقتل وحدتك اللعينة. كيف وإن كنتَ في مركبة فضائية وكان من المفترض أن تكون نائما لمدة ٩٠ سنة. ولخطأ ما لا تعرفه أصبحت أنت اليقظ الوحيد وإلى عقود من الزمن لا تدري هل ستقضيها وحيدا أم هل سيرافقك أحد ما ذات يوم أو ذات عام بالأحرى. الفكرة مرعبة حد الانهيار وهذا ما حدث لـ جيم في البداية.

يلتقي جيم بالصدفة في لحظة انهياره برجل يعمل في بار في المركبة، فيشعر بأن الأمل قد ولد من جديد. عندما يقترب منه يكتشف بأنه روبوت مصنّع على هيئة بشرية! وياللخيبة من جديد!

المركبة مجهزة بالكامل بروبوتات كانت ترسل رسائلا إيجابية لجيم حتى يتمكن من تجاوز هذه المحنة والتعايش معها.

بدأ يزاول حياته بشكل طبيعي لمدة عام. إلى أن لمح إحدى النائمات فبدأ يقرأ عنها ويتعلق بها وبصوتها المسجل في ملفاتها المحفوظة في جهاز الكمبيوتر. بدأت تتمكن منه فكرة إيقاظها عن طريق فتح الصندوق الخاص بها. حاول مرار أن يبعد هذه الفكرة ولكنه لم يستطع إلى أن قرر أن يقوم بإيقاظها. عندما استيقظت بدأت أحداث القصة تبدو أكثر إثارة وأكتفي أنا هنا بهذا القدر من القصة..

دعوني الآن أتحدث عن  المعاني العميقة التي تخللها العمل وحاول إيصالها للمشاهد من وجهة نظري الشخصية.

أولا: يحدث أن تضعك الحياة في ظروفٍ لم تختر أن تكون فيها، أن تقلب واقعك رأسا على عقب، أن تتغير خططك المستقبلية بسبب هذه الظروف الطارئة، أن تجعلك حزينا، مستاءا، محبطا وغير قادر على المواصلة. ماذا يجب عليك أن تفعل؟ أن تستسلم لكل ما حدث؟ أن تسمح لحزنك، احباطك، واستياءك أن يسيطر على ما تبقى من قلبك وعقلك؟ كل إنسان محب للحياة سيقول “لا” بالتأكيد! ولكن هل أنت قويا بما يكفي؟ القوي هو من يجعل كل تلك الظروف تعمل لمصلحته، أن يقودها هو لا أن تقوده هي. أن يعتبرها شجرة جديدة لها ثمارٌ مختلفة الشكل واللون والمذاق وأن يسمح لنفسه بأن يقطفها ويستمتع باختلافها. القوي هو من يجعل مساره حرا يتوقع انحرافه في أي لحظة مباغتة، وأن يكون مدركا ومتقبلا لكل طارئ في طريقه.

في هذه الحالة فقط يصبح الإنسان إنسانا أقوى، وتبقى قوة الإنسان في عطاءه لا بأخذه! لا تنتظر من الحياة أن تفاجئك، اصنع مفاجأتك بنفسك وكن يقظا لأدواتك وممتلكاتك ووظفها جيدا لحاجتك.

ثانيا: قد تلتقي بأحد أهدافك في أحلك الظروف، تماما كما حدث مع جيم عندما التقى بالمرأة التي كان يبحث عنها طيلة حياته! كن متصالحا مع مفاجآت القدر. فلا تدري رب حلم يصبح حقيقة بين ليلة وضحاها!  حافظ على شغفك دوماً!

ثالثا: هل إيقاظ جيم لـ أرورا كانت جريمة؟ لوهلة، نعم! ولكن في مثل حالتها كدور كاتبة قررت أن تسافر إلى الأفالون بحثا عن السعادة، وأن تقوم بتأليف كتاب وفقا لتجربتها الفريدة، أعتقد أن جيم ساعدها بتحقيق هذا الهدف الأسمى. فما السعادة إلا الحب، وما التجربة الفريدة إلا التي تنبع من حب كيف وفي ظروف خيالية كتلك الظروف وخلال ٩٠ سنة؟! لابد و أن كتابها سيكون تحفة فنية خالدة مليئة بالنضج والابتكار، لابد وأن يكون نصا مقدسا تعكسه الأقمار الستة المحاطة بكوكب الأفالون!

وأحب أن أستطرد هنا في مسألة التأليف، وأطرح بعض التساؤلات. كيف يستطيع أي كاتب أن يؤلف كتابا وينشره في ظرف سنوات قليلة؟ هل يثق تماما بأفكاره، بعقله، باتجاه التيار الذي يمضي فيه؟ أو حتى بجودة النص الأدبي الذي ينشره؟ هل تلك المشاعر التي نشرها في عمل مطبوع ستبقى تماما كما هي؟ أم أنه سيعود ليقرأها مرة أخرى ويشعر بأنه يقرأ لشخصٍ آخر؟ كيف سيتعامل الكاتب المؤلف مع أفكاره التي تتغير بتغير السنين؟ كيف يضمن أن تأليفه لكتاب ما سيبقى خالدا حتى لو تركه خلفه وغادر هذه الدنيا؟ لستُ ضد التأليف إطلاقا، وأعتبره حق للجميع.. أنا فقط أفكر بصوتٍ مزعج وأمارس ما أملك من حرية لا أجرؤ أن أضعها بين دفتي كتاب على الأقل في الوقت الراهن. مع أخذ الاعتبار أن التدوين يختلف عن التأليف!

اقتباسات جميلة من النص البديع:

-أورورا: لا تتعلق بالأماكن التي تفضلها، بل حاول أن تنساها وأن تحقق أقصى استفادة من مكان وجودك. لقد ضللنا الطريق. لكننا وجدنا بعضنا وعشنا. حياة جميلة. سويا!

-أورورا: اعتاد والدي أن يقول: “إذا كنت تعيش حياة عادية، فكل ما يمكنك كتابته قصصا عادية. عليك أن تعيش حياة المغامرة لتصبح كاتبا لا يتكرر!!”

هذا كل مالدي. العمل جميل جدا ويستحق المشاهدة فعلا.

تقييمي: ١٠\١٠