سينما

مراجعة لفيلم الأوسكار شكل الماء: The Shape of Water

61513a29b831db169a84a300bcda6930

شاهدت البارحة فيلم شكل الماء The Shape of Water.  والحائز على جائزة الأوسكار لعام ٢٠١٧. الفيلم من كتابة المخرج والكاتب السينمائي المكسيكي ديل تورو. لمحة سريعة عن الكاتب، عرفت أنه عاشقا للوحوش منذ الأزل وإذا عرف السبب بطل العجب.

لا عجب أن يصور تورو الوحوش والأشباح بصورة إيجابية، فبدون تلك الوحوش لم يكن ليصل إلى مسرح هوليوود وينال جائزة الأوسكار! ببساطة هو اتبع شغفه واستطاع أن يصل به. وبغض النظر عن اختلاف الرؤية تجاه العمل فالإنصاف واجب، العمل نجح على كل المستويات أقلها مستوى المشاهد العادي الذي لا يملك أدوات نقد خاصة مثلي أنا، أقولها بدون تحفظ أو تحيز، كان العمل رائعا وممتعا!

مرة أخرى، لست إلا متذوقة للفن الجميل، وعاشقة للأعمال الرمزية التي تداعب فكري وتتحدى قدراتي البسيطة. بالرغم أني مقلة من مشاهدة هذا النوع من الأفلام خاصة تلك التي يتخللها بعض الرعب. لأول مرة حقيقة أشاهد الوحش بصورة جميلة! لا أقول جميلة شكلا بل جميلة جوهرًا. هل فقد الكاتب أمله بالبشر؟ هل أصبح يتوقع الأذى من الإنسان أكثر من الحيوان؟ لم يستخدم تورو رمز الوحش بلا هدف وأظن أنني استطعت أن أقرأ المعنى الذي يقف خلفه.

سأشارككم قراءتي المتواضعة لأبعاد هذا العمل وأحاول أن أشرح بعض الرموز التي كانت حاضرة بقوة.

بداية، من وجهة نظري استحق فيلم شكل الماء جائزة الأوسكار لأن القصة كما رأيتها سريالية تنتشل المشاهد من الواقع وتأخذه إلى خيال يجعله يحيا من جديد، أحب الفن السريالي لأنه يفتح للإنسان أفق جديد من الفكر والمشاعر، يجعله قادرا على رؤية ما بعد الصورة، وسابقا لزمنه مستعدا للمواجهة دائما! الفن السريالي ببساطة إعادة الحياة لمجراها من خلال تغذية الخيال لها بطريقة أو بأخرى، قد تكون بتحفة بصرية وقد تكون شعرية، وهذا ما أحدثه ديل تورو في وقت واحد.

قد تبدو القصة مشمئزة للبعض ولكن ضع في اعتبارك أنك تشاهد عملا خياليا، بمعنى أنك لا تركز على الأحداث بقدر ما يجب أن تركز على العناصر التي كونت المحتوى. وإذا قرأت عن العمل أكثر وعرفت علاقة الكاتب بالوحوش سوف تقدر أن تتفهم رسالة العمل إن كان هناك رسالة معينة يريد المخرج والكاتب إيصالها. ولا أعني أن العمل بلا هدف ولا رسالة، بل هو صفحة بيضاء يستطيع كل مشاهد أن يملأها بأفكار ومشاعر وأسئلة مختلفة! وهذا ما جعل العمل مميزا ومثيرا للجدل.

من الأبعاد الواضحة في العمل كان الجانب السياسي والذي تمثل بدور شخصية ستريكلاند  جنرال في الحكومة الأمريكية في حقبة الستينات إبان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، لم تكن أقواله واضحة المغزى ولكن تستطيع أن تفهم أن هناك عداوة كبيرة ضد الفلسطينيين.. أجد هذا الإسقاط ذكي من تورو ومهم جدا، خاصة وأن شخصية ستريكلاند كانت شخصية دموية، ومتجبرة.

البعد الإنساني كان حاضرا وبقوة في ثنايا القصة، حيث تنشأ علاقة الحب بين الفتاة البكماء “أليزا” وبين الكائن الغريب. أصفه بالإنساني لأنه يلامس فئة من الناس قد لا يعبأ بهم أحدا وقد لا يعيشون تجربة رومانسية في حياتهم أبدا فقط لأنهم فقدوا سمعا، بصرا، يدا، أو قدما، هذا لا يعني أبدا أنهم فقدوا قلوبهم وأنهم لا يملكون إحساسا أو ليس لديهم رغبات كغيرهم من الناس الأسوياء! قد يرى البعض تصوير تورو للعلاقة الرومانسية بين وحش وفتاة صورة مقززة، ولكن لم يصور تورو الوحش بصورة وحشية كما صور الإنسان الدموي الذي تمثل بشخصية ستريكلاند.. وأعتبرها الماحة جيدة من الكاتب! ولربما أراد أن يقول بأن التاريخ على مر العصور والأزمان يشهد على مواقف وحشية افتعلها الإنسان الذي يملك قلبا وعقلا في أحيان كان يجب عليه أن يكون إنسانا حقيقيا لا وحشيًا!

أيضا أريد أن أعرج على عنوان العمل “شكل الماء”.. العنوان سريالي ساحر، وعذب للغاية، وإن دلً على شيء دلّ على شاعرية الكاتب العبقري ديل تورو. إضافة إلى أنني أعتقد أن تورو لم يختره عبثا، بل كان له غاية من ذلك. و دعوني أقول بأنها غاية حسنة، فالكائن الذي يعيش في الماء، والذي استطاع أن يسلب عقل وقلب الفتاة البكماء، والقادر على الشفاء واالإنبات.. ليس كائنا فلا يوجد كائن حقيقي بهذه القدرات الخارقة ولكن أخذتني كل تلك المشاهد المرتبطة برجل الماء لقول الله تعالى ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” لا أجزم بأن المخرج كان “عاوز كده” ولا أجزم أنه يعرف هذه الآية حتى ولكن هذا ما حصل معي فعلاً!

أخيرا أريد أن أقول بأن آداء الممثلة ” سالي هوكينز” كان بارعا جدا، فليس من السهل القيام بدور بكماء مع اتقان لغة الإشارة.

العمل أسطورة فنية، ولا أظنه سيغيب عن الذاكرة بل سيخلّد لأنه ببساطة ليس عاديا!

تقييمي: ٩\١٠

شكرا.

اترك رد