في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

لاشيء معي إلا كلمات!

IMG_4960

مضى من العمر طويلا، ويوما بعد يوم أدرك أكثر بأن لا شيء يجعل المرء سعيدا إلا إحساسه بذاته.. والذات لا تصنع بيدٍ واحدة، ولا حتى بأيادٍ كثيرة. بل تصنع بقلوب تحب، وبأعين تبصر، وبأذهان تنصت..

كبرتُ في بيئة يتحدث فيها الصغير مع الكبير ويسمع فيها الكبير إلى الصغير، نشأت في بيتٍ يحتضن الكثير من الحب، الاحترام والثقة..  والكثير الكثير من الهدايا.. لا أتحدثٌ هنا عن هدايا باهظة الثمن كـ ساعة من شانيل، أو حقيبة من دولتشي آند قبانا.. أتحدث عن هدايا أخرى لا تباع ولا تشترى.. هدايا تبنى تماما كما تبنى الجبال الراسيات لا يحركها الزمان ولا يبدلها المكان.. أتحدث عن ألمٍ جميل ومعاناة لذيذة ولدت منها آمال وطموحات كبيرة.. عن أحزانٍ سعيدة عن مفارقاتٍ مدهشة لم أفهم ماهيتها حتى الآن ولا أريد أن أفهم، غير أني أعلم يقينا أنها تقودني نحو فجرٍ سرمدي.. هذه الهدايا لا تنتهي ما انتهت هذه الحياة!

هذه الهدايا ربتني كثيرا.. علمتني كثيرا.. فرحت لي كثيرا.. وحزنت لحزني كثيرا كثيرا.. هذه الهدايا هي والدي صديقي ومعلمي الأول.. أمي منى عمري الأبدي، شقيقتي الشذا الذي لا أقوى حياتي دونه.. وأخوتي الخمسة الجدار الذي أسندُ ظهري إليه.. هذه الهدايا هي جنتي هي عائلتي التي امتدت منها هدايا أخرى قابلتها في حياتي خلال غربة الخمسة أعوام.. كل يوم وكل ليلة.. في وجوه الغرباء.. في ابتسامات البؤساء.. في نجاحاتي في حنيني واشتياقي.. شعرت بها رغم المسافات الطويلة والزمن المسبوق.. ولو كان بوسع الإنسان أن يظهر قلبه لفعلت الآن، ولكن.. حقا.. لا شيء معي إلا كلمات!

أدركتُ في محيط عائلتي أن الحب يكبر ما كبرت.. وأن بذرته مدفونة في أول بقعة نبضَ فيها قلبي.. وفي أول كلمة نطق بها لساني.. وبأول يدٍ لمست جبيني.. وفي أول عينين صافحت عيناي… نعم هناك قبل ثلاثة عقود من الزمان في منتصف الثمانينات في الزمن الذي قلنا عنه مرارا وما زلنا بأنه الزمن الجميل.. في بيتٍ صغير جدا في مدينة الرياض بعيدا عن كل شيء وقريبٌ من كل شيء.. بيتٌ يغلفه قلبين يغرقاني حتى اليوم بفيض من عاطفة تملئوني بهم حدٌ الكفاية..

تلك البذرة البعيدة أراها اليوم شجرة كبرت وامتدت جذورها ضاربة أعماق القلوب، وجذوعها معانقة عنان السماء.. أراها في عيونهم.. في ابتساماتهم.. في أفراحهم وانكساراتهم.. كنتُ أراها كل يوم في تمام المساء هناك حيث الأمس القريب، في تمام التعب، الجهد، الطموح والسهر.. هناك عندما يتهادى صوتُ والدي الفجري القادم من الشرق المملوء بخوفه، بحبه، واهتمامه.. كان صوته البعيد أشبه بجرعة مهدئات للأشواق اليقظة في روحي.. كنتُ أراها في دعوات أمي حين ألتقي بالطيبين في طريقي أولئك الذين لا تربط بيني وبينهم قرابة دم أو صلة دين.. كنت أستمتع بمشهدها كلما تغيرت ألوان الأشجار خريفًا لتصبح الدنيا ملونة كلوحة فنية بديعة.. أو كلما لبست الدنيا ثوبًا أبيضًا في الشتاء، كأياديهم البيضاء التي صافحتني كثيراً رغم البعد..

تلك البذرة البعيدة، أثمرت اليوم لتصبح قريبة جدًا.. تماما كقرب شقيقي رفيق دربي ياسر في سنوات الغربة.. ذلك الجندي المجهول خلف قصة لم تكن لتكتمل دون وقوفه جانبي دومًا..

هاقد جاءت اللحظة لأقدم نجاحي ووصولي اليوم لأهل الفضل.. لعائلتي.. لأحبتي.. للصديقات.. وللقلوب البيضاء التي احتضنت وجودي هناك وكانت لي أكثر من عائلة..

لهم مني وافر الحب والثناء..

..

النص بتسجيل وإلقاء المبدع سموت الراشد:

 

 

اترك رد