مهم إلى حدٍ ما

أن تعود إلى الجذور..

12ede6c15ec600473fe5d2049e181ee4

مساءكم سعيد أصدقاء التدوين..

غبت طويلا مؤخرا بسبب فترة انتقالية مررت بها وأظن أنها انتهت على أكمل وجه 🙂

أنشر لكم اليوم أول تدوينة بعد عودتي للوطن، من الواضح أني قد عدت قبل مدة غير قصيرة خمسة أشهر من الآن.. وفي هذه الفترة اكتشفت أن علاقتي بالتدوين مرتبطة تماما بالهدوء والخلوة التي قلما أجدها في الوقت الحالي لارتباطي أولا بعملٍ يلتهم كل وقتي وطاقتي دون أن أدرك.. وثانيا لانتظاري ذلك الشعور القديم بالاستقرار والانتماء من جديد لمجتمع بالكاد ألتقط فيه أجزاء من نفسي..  والخبر السعيد حقا أيها الأصدقاء، أن الأمور بدأت تستقر في مكانها الصحيح والوقت بدأ يرخي حباله ويمنحني بعضا منها لاسيما ونحن الآن في الأسبوع الأخير من هذا الفصل الدراسي..

دعوني أتحدث لكم عن تجربة العودة للوطن بعد ستة أعوام من الغربة في الولايات المتحدة الأمريكية تلك البلاد التي أكن لها كل الحب لأنها نقطة الوصل الأولى بنفسي وبعالم ممتد من تلك النفس الشغوفة ولأفق لا نهاية له، تلك البلاد هي مركز الاكتشاف الكبير لعالم شاسع يحتوي مالا يستطيع أن يتصوره العقل البشري من الاختلاف.. حسنا دعوني أصارحكم أن الكتابة في هذا الموضوع تحرير جميل لم أشعر من قبل أني بحاجته حتى كتبت الآن. 🙂

سئلت كثيرا بعد العودة كيف سأستطيع التكيف والتعايش من جديد في هذا المجتمع؟ لم يكن لدي جوابا محددا في الواقع. ولم تكن عودتي دراماتيكية “على الأقل في البدايات”. لم ألتقط أدق التفاصيل أثناء العودة كآخر كوب قهوة مثلا أو أنشر في البرنامج الراحل “باث” آخر أغنية سمعتها عندما كنت هناك. بتاتا! ولكن ببساطة كنت غير مبالية وكثيرا ما أقول لنفسي إنه الواقع ويتحتم علي تقبله مهما يكن. في الواقع قبل العودة بشهر أو شهرين التحقت بسشن (Art Therapy) (فن علاجي). التحقت برغبة من صديقتي الأمريكية التي كانت بحاجته بسبب ضغوط الحياة والدراسة في مجتمع رأسمالي! والتي كانت تعتقد أني بحاجته أيضا بسبب عودتي القريبة للوطن!! وافقتها الرغبة دون أن أبدي جديتي التامة في الفكرة بل بمبدأ “nothing to lose”. كان السشن أسبوعيا، وفي كل أسبوع نفرغ تلك الطاقة السلبية بالفن بالوسيلة التي أحبها كثيرا وكنت في مرحلة زمنية من عمري أستخدمها كثيرا. في الواقع بعد ستة أسابيع أدركت حقا أن الفن وسيلة رائعة لحل معضلة ولو بشكل نسبي حتى لو لم ندرك قطعا أننا في معضلة ونحتاج أن نعترف بوجودها على الأقل. أعتقد أن ذلك السشن كان سببا لبداية إدراكي وتقبلي لما هو قادم. وأن ذلك العالم الوردي الذي عشته خلال الست أعوام الفائتة لن ينتهي بل سيصبح عالما حقيقيا إذا آمنت تماما أنه يقبع في قلبي وليس في مكان ما أو في زمان ما. هذا ماحصل في الواقع، هو أني تحدثت كثيرا عن ما كنت أشعر به عبرت عنه بخطوط وألوان اختارها الموقف وفسرها الشعور بالألم، بالفرح، بالحزن، بالفراق، باللقاء، بالمجهول، و بكل المشاعر الممكنة.

أمضيت ثلاثة أشهر بحثا عن عمل، وجاءتني فرصة أعتقد أنها جيدة جدا لاسيما وفي  هذا الوقت القياسي! علمت أن طريقي ميسرا وأحتاج فقط أن أمضي فيه ونحوه.. عندما بدأت في العمل والانخراط الحقيقي، بدأ مسلسل الاجتياح 🙂 المطر يذكرني.. القيود الاجتماعية تذكرني.. ضغط العمل وبعدي عن هواياتي الصغيرة يذكرني.. كل شيء يذكرني وفي الواقع لا شيء يعجبني كما يقول درويش. أدركت أن الصدمة الحضارية كانت متأخرة قليلا. ولكن الخبر السعيد أن كل شيء كان بقدر كافي تحت السيطرة. قد أبدو دراماتيكية “الآن” ولكن هذا ما كانت تفرضه المرحلة 🙂

أعيش الآن في مدينة صغيرة لطيفة حيث مكان عملي.. أثثتُ مكانا يشبه مكاني هناك ويشبهني أكثر.. أشعل فيه شموعا بروائح مألوفة.. أحضرت بعض النباتات الخضراء.. أسمع أغنيات جديدة تصنع لهذا المكان الجديد ذكريات جديدة.. أمارس أعمالي بحب واجتهاد.. أتعلم شيئا جديدا.. أستمع لحديث ملهم.. ألتقي بالعائلة والأصدقاء كل حين..  أقرأ.. أقرأ.. وأقرأ!

والحياة حتما سعيدة إذا ما اخترنا أن تكون كذلك 🙂