في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

لاشيء معي إلا كلمات!

IMG_4960

مضى من العمر طويلا، ويوما بعد يوم أدرك أكثر بأن لا شيء يجعل المرء سعيدا إلا إحساسه بذاته.. والذات لا تصنع بيدٍ واحدة، ولا حتى بأيادٍ كثيرة. بل تصنع بقلوب تحب، وبأعين تبصر، وبأذهان تنصت..

كبرتُ في بيئة يتحدث فيها الصغير مع الكبير ويسمع فيها الكبير إلى الصغير، نشأت في بيتٍ يحتضن الكثير من الحب، الاحترام والثقة..  والكثير الكثير من الهدايا.. لا أتحدثٌ هنا عن هدايا باهظة الثمن كـ ساعة من شانيل، أو حقيبة من دولتشي آند قبانا.. أتحدث عن هدايا أخرى لا تباع ولا تشترى.. هدايا تبنى تماما كما تبنى الجبال الراسيات لا يحركها الزمان ولا يبدلها المكان.. أتحدث عن ألمٍ جميل ومعاناة لذيذة ولدت منها آمال وطموحات كبيرة.. عن أحزانٍ سعيدة عن مفارقاتٍ مدهشة لم أفهم ماهيتها حتى الآن ولا أريد أن أفهم، غير أني أعلم يقينا أنها تقودني نحو فجرٍ سرمدي.. هذه الهدايا لا تنتهي ما انتهت هذه الحياة!

هذه الهدايا ربتني كثيرا.. علمتني كثيرا.. فرحت لي كثيرا.. وحزنت لحزني كثيرا كثيرا.. هذه الهدايا هي والدي صديقي ومعلمي الأول.. أمي منى عمري الأبدي، شقيقتي الشذا الذي لا أقوى حياتي دونه.. وأخوتي الخمسة الجدار الذي أسندُ ظهري إليه.. هذه الهدايا هي جنتي هي عائلتي التي امتدت منها هدايا أخرى قابلتها في حياتي خلال غربة الخمسة أعوام.. كل يوم وكل ليلة.. في وجوه الغرباء.. في ابتسامات البؤساء.. في نجاحاتي في حنيني واشتياقي.. شعرت بها رغم المسافات الطويلة والزمن المسبوق.. ولو كان بوسع الإنسان أن يظهر قلبه لفعلت الآن، ولكن.. حقا.. لا شيء معي إلا كلمات!

أدركتُ في محيط عائلتي أن الحب يكبر ما كبرت.. وأن بذرته مدفونة في أول بقعة نبضَ فيها قلبي.. وفي أول كلمة نطق بها لساني.. وبأول يدٍ لمست جبيني.. وفي أول عينين صافحت عيناي… نعم هناك قبل ثلاثة عقود من الزمان في منتصف الثمانينات في الزمن الذي قلنا عنه مرارا وما زلنا بأنه الزمن الجميل.. في بيتٍ صغير جدا في مدينة الرياض بعيدا عن كل شيء وقريبٌ من كل شيء.. بيتٌ يغلفه قلبين يغرقاني حتى اليوم بفيض من عاطفة تملئوني بهم حدٌ الكفاية..

تلك البذرة البعيدة أراها اليوم شجرة كبرت وامتدت جذورها ضاربة أعماق القلوب، وجذوعها معانقة عنان السماء.. أراها في عيونهم.. في ابتساماتهم.. في أفراحهم وانكساراتهم.. كنتُ أراها كل يوم في تمام المساء هناك حيث الأمس القريب، في تمام التعب، الجهد، الطموح والسهر.. هناك عندما يتهادى صوتُ والدي الفجري القادم من الشرق المملوء بخوفه، بحبه، واهتمامه.. كان صوته البعيد أشبه بجرعة مهدئات للأشواق اليقظة في روحي.. كنتُ أراها في دعوات أمي حين ألتقي بالطيبين في طريقي أولئك الذين لا تربط بيني وبينهم قرابة دم أو صلة دين.. كنت أستمتع بمشهدها كلما تغيرت ألوان الأشجار خريفًا لتصبح الدنيا ملونة كلوحة فنية بديعة.. أو كلما لبست الدنيا ثوبًا أبيضًا في الشتاء، كأياديهم البيضاء التي صافحتني كثيراً رغم البعد..

تلك البذرة البعيدة، أثمرت اليوم لتصبح قريبة جدًا.. تماما كقرب شقيقي رفيق دربي ياسر في سنوات الغربة.. ذلك الجندي المجهول خلف قصة لم تكن لتكتمل دون وقوفه جانبي دومًا..

هاقد جاءت اللحظة لأقدم نجاحي ووصولي اليوم لأهل الفضل.. لعائلتي.. لأحبتي.. للصديقات.. وللقلوب البيضاء التي احتضنت وجودي هناك وكانت لي أكثر من عائلة..

لهم مني وافر الحب والثناء..

..

النص بتسجيل وإلقاء المبدع سموت الراشد:

 

 

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم: Passengers!

lead_960

عودة بعد انقطاع عن التدوين..

أعتذر لهذا الغياب كونها فترة إنهاء مرحلة واستعداد لمرحلة أخرى. ولكن شاهدت فيلما خلال الأيام السابقة يحاكي فترتي الانتقالية هذه، بالرغم أني لم أخطط لمشاهدته تزامنا مع الأحداث والمرحلة الراهنة. جعلني العمل أتوقف قليلا وأفكر بمحتواه وأستمتع بتفاصيله الجميلة. ومن عادتي التي قد تكون سلبية أحيانا أنني لا أسمح لأي عمل فني، فيلما كان أو كتابا. لوحة يتيمة في حائط، أو سيناريو مع غريب في رحلة عابرة، من أن تمر دون أن تحدث أي أثر. ربما لو قلت بأن مصدر إلهامي في الحياة هي كل هذه الأشياء التي ذكرتها لاعتبرني أحدهم فارغة بلا أصول ثابتة. ولعل هذا مالا يتعارض مع طبيعتي الحرة.  لن أطيل عليكم كثيرا فالمقصود هو فيلم الركاب “Passengers” والذي يعتبر أحد أعمال سنة ٢٠١٦ المميزة.

لن أتحدث عن تفاصيل القصة بل كما العادة عن قراءتي الشخصية للعمل. بداية أعتقد أن فكرة العمل مبهرة وخيالية كما تصنف، ولكن يستطيع أي منا إسقاطها على الواقع وأحداث الحياة الطبيعية.

لمن لم يشاهد الفيلم فالفكرة باختصار تدور حول مركبة فضائية تضم مجموعة من الركاب النائمين في صناديق مجهزة. قرر هؤلاء الأشخاص مغادرة الأرض والسفر إلى الأفلون لتجربة حياة مختلفة وجديدة. ولن تصل المركبة إلا بعد مرور ٩٠ عاما من السفر. لذلك تم تخديرهم لكل هذه السنوات حتى إذا ما وصلت المركبة استيقظوا وبدأوا باكتشاف حياتهم التي غادروا الأرض من أجلها. يحدث خطأ في صندوق “جيم” وهو أحد النائمين على ظهر المركبة ليستيقظ مبكرا جدا ولا يستطيع العودة إلى النوم بسبب هذا الخلل. الأمر الذي يكاد أن يكون مرعبا للغاية، كيف سيعيش وحيدا كل هذه السنوات وفي مركبة فضائية خالية من البشر إلا من النائمين؟! وهذه الفكرة أخذتني في الواقع لمشكلة “الأرق” وعدم القدرة على النوم في الظروف الطبيعية. لابد وأن جرب أحدكم مراقبة النائمين في لحظات يهرب النوم فيها من عينيك وتصبح كالحارس بينهم وعلى رؤوسهم. تتأمل وجوههم وتتمنى لو كنت واحدا منهم. تنتظر أن يستيقظ أحدهم ويقتل وحدتك اللعينة. كيف وإن كنتَ في مركبة فضائية وكان من المفترض أن تكون نائما لمدة ٩٠ سنة. ولخطأ ما لا تعرفه أصبحت أنت اليقظ الوحيد وإلى عقود من الزمن لا تدري هل ستقضيها وحيدا أم هل سيرافقك أحد ما ذات يوم أو ذات عام بالأحرى. الفكرة مرعبة حد الانهيار وهذا ما حدث لـ جيم في البداية.

يلتقي جيم بالصدفة في لحظة انهياره برجل يعمل في بار في المركبة، فيشعر بأن الأمل قد ولد من جديد. عندما يقترب منه يكتشف بأنه روبوت مصنّع على هيئة بشرية! وياللخيبة من جديد!

المركبة مجهزة بالكامل بروبوتات كانت ترسل رسائلا إيجابية لجيم حتى يتمكن من تجاوز هذه المحنة والتعايش معها.

بدأ يزاول حياته بشكل طبيعي لمدة عام. إلى أن لمح إحدى النائمات فبدأ يقرأ عنها ويتعلق بها وبصوتها المسجل في ملفاتها المحفوظة في جهاز الكمبيوتر. بدأت تتمكن منه فكرة إيقاظها عن طريق فتح الصندوق الخاص بها. حاول مرار أن يبعد هذه الفكرة ولكنه لم يستطع إلى أن قرر أن يقوم بإيقاظها. عندما استيقظت بدأت أحداث القصة تبدو أكثر إثارة وأكتفي أنا هنا بهذا القدر من القصة..

دعوني الآن أتحدث عن  المعاني العميقة التي تخللها العمل وحاول إيصالها للمشاهد من وجهة نظري الشخصية.

أولا: يحدث أن تضعك الحياة في ظروفٍ لم تختر أن تكون فيها، أن تقلب واقعك رأسا على عقب، أن تتغير خططك المستقبلية بسبب هذه الظروف الطارئة، أن تجعلك حزينا، مستاءا، محبطا وغير قادر على المواصلة. ماذا يجب عليك أن تفعل؟ أن تستسلم لكل ما حدث؟ أن تسمح لحزنك، احباطك، واستياءك أن يسيطر على ما تبقى من قلبك وعقلك؟ كل إنسان محب للحياة سيقول “لا” بالتأكيد! ولكن هل أنت قويا بما يكفي؟ القوي هو من يجعل كل تلك الظروف تعمل لمصلحته، أن يقودها هو لا أن تقوده هي. أن يعتبرها شجرة جديدة لها ثمارٌ مختلفة الشكل واللون والمذاق وأن يسمح لنفسه بأن يقطفها ويستمتع باختلافها. القوي هو من يجعل مساره حرا يتوقع انحرافه في أي لحظة مباغتة، وأن يكون مدركا ومتقبلا لكل طارئ في طريقه.

في هذه الحالة فقط يصبح الإنسان إنسانا أقوى، وتبقى قوة الإنسان في عطاءه لا بأخذه! لا تنتظر من الحياة أن تفاجئك، اصنع مفاجأتك بنفسك وكن يقظا لأدواتك وممتلكاتك ووظفها جيدا لحاجتك.

ثانيا: قد تلتقي بأحد أهدافك في أحلك الظروف، تماما كما حدث مع جيم عندما التقى بالمرأة التي كان يبحث عنها طيلة حياته! كن متصالحا مع مفاجآت القدر. فلا تدري رب حلم يصبح حقيقة بين ليلة وضحاها!  حافظ على شغفك دوماً!

ثالثا: هل إيقاظ جيم لـ أرورا كانت جريمة؟ لوهلة، نعم! ولكن في مثل حالتها كدور كاتبة قررت أن تسافر إلى الأفالون بحثا عن السعادة، وأن تقوم بتأليف كتاب وفقا لتجربتها الفريدة، أعتقد أن جيم ساعدها بتحقيق هذا الهدف الأسمى. فما السعادة إلا الحب، وما التجربة الفريدة إلا التي تنبع من حب كيف وفي ظروف خيالية كتلك الظروف وخلال ٩٠ سنة؟! لابد و أن كتابها سيكون تحفة فنية خالدة مليئة بالنضج والابتكار، لابد وأن يكون نصا مقدسا تعكسه الأقمار الستة المحاطة بكوكب الأفالون!

وأحب أن أستطرد هنا في مسألة التأليف، وأطرح بعض التساؤلات. كيف يستطيع أي كاتب أن يؤلف كتابا وينشره في ظرف سنوات قليلة؟ هل يثق تماما بأفكاره، بعقله، باتجاه التيار الذي يمضي فيه؟ أو حتى بجودة النص الأدبي الذي ينشره؟ هل تلك المشاعر التي نشرها في عمل مطبوع ستبقى تماما كما هي؟ أم أنه سيعود ليقرأها مرة أخرى ويشعر بأنه يقرأ لشخصٍ آخر؟ كيف سيتعامل الكاتب المؤلف مع أفكاره التي تتغير بتغير السنين؟ كيف يضمن أن تأليفه لكتاب ما سيبقى خالدا حتى لو تركه خلفه وغادر هذه الدنيا؟ لستُ ضد التأليف إطلاقا، وأعتبره حق للجميع.. أنا فقط أفكر بصوتٍ مزعج وأمارس ما أملك من حرية لا أجرؤ أن أضعها بين دفتي كتاب على الأقل في الوقت الراهن. مع أخذ الاعتبار أن التدوين يختلف عن التأليف!

اقتباسات جميلة من النص البديع:

-أورورا: لا تتعلق بالأماكن التي تفضلها، بل حاول أن تنساها وأن تحقق أقصى استفادة من مكان وجودك. لقد ضللنا الطريق. لكننا وجدنا بعضنا وعشنا. حياة جميلة. سويا!

-أورورا: اعتاد والدي أن يقول: “إذا كنت تعيش حياة عادية، فكل ما يمكنك كتابته قصصا عادية. عليك أن تعيش حياة المغامرة لتصبح كاتبا لا يتكرر!!”

هذا كل مالدي. العمل جميل جدا ويستحق المشاهدة فعلا.

تقييمي: ١٠\١٠

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم Collateral Beauty

Unknown

شاهدت فيلم collateral beauty على متن الطائرة متجهة من لوس أنجلوس إلى الرياض. هذا الفيلم سمعت أنه تراجيدي قبل أن أقرأ النبذة القصيرة عنه، وقبل أن أشاهد إعلانه.
لم تكن خيارات الخطوط السعودية كافية فقررت مشاهدته كونه أحد الأفلام التي نويت مشاهدتها.
الفيلم من إنتاج سنة ٢٠١٦، من بطولة الرائع دوما ويل سميث والرائعة كيت وينستون..

قصة الفيلم تدور حول شخصية “هاوارد” الذي يقوم بدوره ويل سميث. هاوارد رجل أعمال يمتلك شركة بيع مستحضرات تجميل، ذكي مبدع قوي محب للحياة ومحبوب بين الناس وزملاؤه في العمل. يفقد ابنته بسبب إصابتها بمرض سرطان الدماغ. ويفقد بعدها رغبته بالحياة. غير قادر على الإنتاج والتواصل مع نفسه ومع الآخرين كما في السابق. ينعزل عن العالم، لا يجيب على هاتفه، ويتخلى عن هاتفه فيما بعد. لايأكل، ولا ينام جيدا. يصحو كل يوم في تمام السادسة صباحا ويقل دراجته، ويجابه السيارات في شوارع نيويورك المزدحمة ودموعه تملأ وجهه من ألم الفقد الذي لم يفارقه بعد سنتين من وفاة ابنته. كأن ضوء السيارات تفهمه، ولا تفضح شعوره كما يفعل الناس. كأنه يخاطر بحياته بين السيارات فلم تعد لحياته معنى بعد هذا الفقد.

هاوارد إن كان يفعل شيئا آخر في يومه فهو يكتب رسائل للأشياء فهو حريص أن لا يبوح بألمه لإنسان. يضع الرسائل في صندوق البريد؛ رسائل للحب، للوقت، وللموت.. رسائل قاسية جدا تعبر عن الألم الذي تسبب به له كلٌ من هذه الأشياء الثلاثة!

زملاؤه في العمل كانوا يعتقدون أن هاوارد قد أصابه شيء في عقله، فقرروا مساعدته. فبعد أن توصلوا للرسائل التي يكتبها، خطرت لديهم فكرة أن يبحثوا عن ممثلين يقوموا بدور كل من الحب، الوقت والموت. كل هذا فقط ليتأكدوا أن عقله لايزال في مكانه وبظنهم أن هذه طريقة جيدة لمساعدته!

هاوارد اكتشف حقيقة الأمر وقرر أن يتخلى عن الشركة ويرحل ويترك بصمة “الرجل الذكي المبدع” حتى وإن رحل متألما.

رسائل العمل رائعة سأختصرها بعدة نقاط:

– الفقد هو الألم الوحيد الذي لا يمكن أن يبرأ بحال، و لايخفف وطء هذا الألم إلا مشاركته مع من نحب ونفهم.
– الأشياء التي تسعدنا هي الأشياء التي تؤلمنا.
– لا تحكي آلامك إلا لمن يحسن الاستماع إليها فقط، أما أولئك الذين يتحدثون و ينكبون عليك بالنصائح فابتعد عنهم فهم ألد أعداء النسيان و الشفاء.
– لا تبرر ألمك كي ترضي غيرك؛ فلا أحد يعيش لغيره!
– الحياة قصيرة لكنها ليست ضيقة، متسعة ما اتسع الحب لكل شيء ولكل أحد.
– الذكريات تؤلمنا وتعزينا في الوقت ذاته.
– الوقت يقاس بالسعادة و الألم لا بعدد الأيام والساعات.

حقيقة العمل صادق و مؤثر جدا ولم أتمالك دموعي أثناء المشاهدة.

أنصح به وبشدة خاصة لمن جرّب ألم الفقد بأي شكل من أشكاله.

تقييمي: ٧/١٠

مهم إلى حدٍ ما

اصنع الفرصة بنفسك!


..

هناك الكثير من العبارات التي نسمعها من حولنا وتترك في حياتنا الأثر الكبير سلبا أو إيجابا وتكاد تكون هذه العبارات للأسف فارغة من المعنى.

سأكون واضحة ودقيقة أكثر، ما أقصده هو اكتفاء البلد من هذا المجال أو غيره، عدم الاحتياج، تكدس، وغيرها من المصطلحات التي لا ترمي إلا لمزيد من البطالة من جهة، ومن جهة أخرى المخرجات ليست بالكفاءة المطلوبة. والسبب بطبيعة الحال أن من يعمل في مجال ما، غالبا لم يعمل به برغبة منه بل برغبة سوق العمل رغم أن هذه الكلمة ليست دقيقة بما يكفي؛ فهناك الكثير من الخريجين والخريجات في تخصص معين كان في يوم من الأيام مطلوبا في سوق العمل ليصرح مسؤول العمل أنه تم الاكتفاء من هذا التخصص وغيره!

أنا لا أقول أن على الحكومة توفير وظائف لكل خريجي التخصص الفلاني! لأنه من الصعب بمكان تحقيق مثل هذا المطلب. ما أريد قوله هو أرجوكم لا تهمشوا تخصصا من التخصصات لأنه لا يخدم سوق العمل، واتركوا الآخرين يتخصصون فيما يحبون ويعملون ما يتقنون! لن يتقدم البلد إذا كانت مواردنا البشرية ليست في مكانها الصحيح.

أدرك جيدا أن تنويع المجالات وتوسيع الفرص وإعطاء مساحة لحرية الاختيار هي الحل الأمثل لتقليص مشكلة البطالة. أما الحد من الشيء لمنع وقوع المشكلة ليس إلا نمو للمشكلة باتجاه آخر ربما لم نفكر به ولم نتصور حدوثه.

نأتي لمصطلح سوق العمل؛ هل هو دقيق؟ من وجهة نظري أقول لا لأن من يحدد سوق عملك أنت، إبداعك، مهاراتك، خبراتك، وإختلافك عن غيرك. سوق العمل يجب أن يكون عالم شاسع يحتوي جميع الكفاءات بكافة أشكالها وأنواعها. لا يجب أن يكون محدود وضيق كما نرى اليوم، للحد الذي أصبح الفرد لا يشعر بذاته ولا يجد قيمة لنفسه. ثق بنفسك، اجتهد، واستعن بالله واصنع الفرصة بنفسك!
دمتم مكافحين

🙂

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

ماذا تريد أن تصبح؟

..

في أحد الأيام قابلت المشرف على أطروحتي في الماجستير، والتي لا تزال قيد الدراسة.. 

تحدثنا عن قضايا كثيرة متعلقة بموضوع الدراسة، تماما كما نفعل في كل اجتماع.. 

في عرض الحديث سألني بطريقة مفاجأة: ماذا سوف تفعلين في شهر سبتمر عام ٢٠١٨؟ 

وأجبت بطريقة عفوية: لماذا شهر سبتمبر؟ 

فأجاب بعد حصولك على درجة الماجستير وتخرجك ماذا سوف تفعلين؟ تكملين دراستك؟ تبحثين عن وظيفة؟ تعودين لبلدك؟ 

أخبريني ماهي خططك المستقبلية؟ 

أعترف أني لا أعرف ماذا سأفعل، وليس لدي أي خطة واضحة للمستقبل. بل إن المستقبل لا يزال محجوبا بالنسبة لي. 

أعترف أيضا أني شخصية مشتتة، واهتماماتي كثيرة جدا وليس لدي تركيز محدد على مجال معين. 

وقصة التشتت مستمرة معي منذ الأزل.. والمجالات التي درستها متعددة ولا تصب في مجرى واحد. 

حقيقة لست منزعجة من هذا التشتت، أو دعوني أعبر عنه بشكل إيجابي وأقول “تنوع”. ومؤمنة أن ما أنا عليه الآن هو مزيج أنيق من كل ما جربته وتعلمته في حياتي. ولا أقول أني راضية تمام الرضا أبدا، بل إني أتطلع دوما للأفضل والأرقى.. 

ولكنني حقا، لا أعرف ماذا أريد. وكل ما أعرفه أني شغوفة جدا أحب التعلم والاكتشاف حتى لربما أصل إلى ما يشعرني بالانتماء والرضا الكامل. 

وفي ذات الوقت، أغبط أولئك الأشخاص الذين يعرفون جيدا ماذا يريدون أن يصبحوا، ولديهم رؤية مكتملة للمستقبل. وأؤمن جيدا أنها نتيجة للرضا، وأن الرضا غاية صعبة.. وتصبح أكثر صعوبة على من يحرقهم الشغف والطموح بلا أمد. وكما يقول أحدهم ” الرضا يكمن في الجهد، لا في التحقيق، والجهد الكامل هو انتصار كامل” ولعل مافي هذا القول ما يرضي حيرتي. 

أعود لسؤال مشرفي، وإجابتي. قلت له أني صدقا لا أدري. ولكنني سوف أبذل جهدي لأن أضيّق أدواتي وأجد الحلقة المشتركة التي تعينني على بناء مستقبلي. 

هل تعرف ماذا تريد أن تصبح؟ أخبرنا؟ كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟ 

مهم إلى حدٍ ما

قرار قيادة المرأة سيُصبِح أمرا مقبولا يوما ما..

أهلا يا أصدقاء..

بداية أحب أن أبارك لكل امرأة سعودية قرار السماح بقيادة المرأة في السعودية. 

السادس والعشرون من سبتمبر أصبح وسيدوم يوما تاريخيا لن ينسى، وهذا الجيل سيتذكر هذا اليوم بكل فخر واعتزاز. يوم لا أستطيع أن أقول عنه إلا بأنه يوم الانتقال من الإحباط وضياع الفرص إلى الوصول و تحقيق الذات. يوم يحول وضع المرأة من دائرة العيب والرذيلة إلى حدود واسعة من القانون والعدالة.. يوم قضى بسعادة غامرة على كل الخيبات وتحطم الآمال. بين ليلة وضحاها انتقل البلد من خريف عريق، إلى ربيع وليد.. 

ألف مبارك لنا وللبلد بهذا القرار العظيم الذي سيغير الكثير تنمويا، اقتصاديا، و اجتماعيا؛ نحو الأفضل بإذن الله.. 

وأقول لمن يستنكر فرحة أي مواطنة سعودية بالتحديد، وبدأ يتخذ من القرار سخرية على نساء البلد. أولا: القرار اختياريا ولن تجبر على مالا تريده.. ثانيا: لا تكن أنانيا. إن كنت خادما جيدا لنساء بيتك، تذكر أن هناك نساء يقطعن مسافات طويلة للبحث عن لقمة عيش لهن ولأسرهن، وجزء من الراتب الشهري  يذهب لسائق جشع، وربما لزوج أكثر جشعا! ليذهب كل هذا التعب هباء منثورا! ثالثا: إن كنت ترى القضية لا تستحق كل هذه الفرحة، فأنت لم تجرب من قبل أن تكون سجينا محبطا مصاب بالخيبات محاطا بطموحك لا تعرف ما تصنع به. القضية ليست مجرد قيادة مركبة، بل أبعد من ذلك بكثير. و لن يفهمها إلا من تجاوز نفسه وارتدى حذاء غيره!

في الواقع استوقفتني الضجة التي لا تزال مستمرة في مواقع التواصل الاجتماعي واستحضرت تاريخا قديما مشابها. عندما دخلت التلفزيونات البيوت السعودية في عام ١٣٨٦هـ، حيث ظهرت نوال بخش كأول امرأة سعودية على الشاشة. وحارب مجموعة من السعوديين وجود التلفزيونات في البيوت وحدثت بعض الهجمات الإرهابية ضد التلفزيون السعودي. ثم منعت المرأة عموما من الظهور لفترة قصيرة. ثم عادت ودخلت في التقديم، الإعداد، في الفن، وغيره. واعتاد الشعب وكأن شيئا لم يكن. وغيرها من قصص منع أي تغيير في البلد.. 

نعم ندرك جيدا أننا مجتمع محافظ جدا. ولن يتقبل القرار كل أحد لأننا ببساطة شعب تقليدي وعاطفي جدا.. نحارب كل جديد قد يؤثر على العادات والتقاليد، ولا أقول الدين لأن الدين بعيد كل البعد عن هذه القضية بالتحديد. بالرغم أن هناك من يدعي أن أسباب رفضه دينية، وهذا الأمر الذي لا أفهمه أبدا! أقول لو نظرنا للقرار بتجرد تام من عواطفنا وعاداتنا التي لا تسمن ولا تغني من جوع لما حدثت كل هذه الضجة ولما استخدم البعض السخرية للتخفيف من وطء المصاب عليهم.. سنمر بفترة مخاض هذا ما أعرفه وأدركه جيدا. وستنتهي الفترة ويصبح القرار من صالح كل مواطن ومواطنة، وربما سنقول كم لبثنا وكم شقينا! وكما يقال trust the process، ثق بالعملية و لكن ثق بالوقت أكثر.. 

مرة أخرى.. ألف مبارك للجميع. 

دمتم 🙂

مهم إلى حدٍ ما · ثلاثون يوما

يوم #٢٤

..

التسامح قوة وحرية وتصالح ذاتي ووو إلخ.. شعارات نسمعها منذ زمن ولكن هل نعرف حقا ماهو التسامح؟ قمت بسؤال قائمة الأصدقاء لدي في السناب تشات قبل مدة عن التسامح كي نفكر عنه سويا، ربما أجد عند أحدهم تعريفا واضحا له.. بلا مبالغة لم يجبني أحد على الإطلاق وعندما كررت السؤال أكثر من شخص أخبرني أنه حقا لا يعرف ولم يفكر في الأمر من قبل!

 لا أخفيكم أني عندما أسمع بالتسامح أعتبره هراء. على الأقل بالنسبة لي لأني شخصية حساسة. ودائما ما أتجنب العلاقات العميقة مع الآخرين كي لا أَجرح ولا أُجرح. وعلاقاتي في الواقع محدودة جدا لنفس السبب.

لذا أجدني حقا حائرة في مفهوم هذا المبدأ. قد نستطيع تعريفه بعدة كلمات، ولكن يبقى التعريف غير دقيق لأنه يبنى على اعتبارات شخصية.

الذي يهم حقا ويصنع الحيرة أكثر هو كيف يحدث التسامح؟ وكيف يحقق الإنسان هذا المبدأ فعلا وقولا؟ وكيف يشعر بمعناه العميق في نفسه وروحه؟ وكيف يجد أثره على حياته وعلى علاقاته بمن حوله؟

عندما فكرت إلى هذه الدرجة من العمق وجدت الأمر ليس بسيطا ولا يمكن تحقيقه بسهولة شعاراته. ولعلي أدركت أن القوة لا تحصل إلا بعد الشدة والألم. والحريّة لا تتحقق إلا بعد إطلاق كل المشاعر والمخاوف العالقة في أرواحنا. والتصالح مع الذات يبدأ عندما نتصالح مع غيرنا. هنا يحدث التسامح.. ولكن! هناك مشكلة حقيقية. أتعلمون ما المشكلة؟ عندما تكون أنت المخطيء في حق غيرك. حق غيرك الذي ربما لا تراه واجبا عليك ولكنه هو كذلك بالنسبة لهم. حق غيرك الذي يسلب سعادتك بشكل أو بآخر. أليس الموضوع أكثر تعقيدا وصعوبة؟ أتساءل كيف يمكن أن يتحقق التسامح في حالة كهذه؟ هل التسامح تنازل بالضرورة؟ أعترف أني لا أملك جوابا صريحا في هذه اللحظة. وأني كلما تعمقت أكثر بالمسألة كلما زاد شغفي أن أعرف أكثر.

سأختصر هذه التدوينة بنقاط قد تفيدك في رحلة تسامحك:

– التسامح مع الآخرين لا يمكن أن يحدث إذا أنت لم تسامح نفسك على أخطاءها. والخطأ يجب أن يتحرر من موضعه بالاعتراف به أولا.

– الحياة أوسع من مجرد أخطاء قمت بها، فلا تحمّل نفسك فوق طاقتها.

– نسيان الخطأ حق، وتذكر الدرس واجب.

– تذكر دائما، أن الماضي رحل ولن يعود، وأنت إبن اليوم وعليك أن تعيشه كما ينبغي.

– من الخطأ أن يتظاهر الإنسان بالقوة والسعادة وقلبه محطم من الداخل. ومن الخطأ الاستسلام في الوقت نفسه. الصحيح المواجهة والتعايش فما بعد الألم إلا الشفاء.

سيكون للحديث بقية..

شكرا!

مهم إلى حدٍ ما

إنني أتحرر، إنني أصبح إنسانا!

IMG_7118

..

أعلم يقينا أني أتغيّر كل يوم، وإذا مرّ يوم واحد ولم أتغيّر فأنا حتما في حالة توقف عن الحياة!

الحوارات التي تحدث بيننا وبين الآخرين كفيلة بالتغيير. النظرات التي نتبادلها مع الغرباء كفيلة بالتغيير.

المشردون في الشوارع يغيّروننا.. العنصرية تغيرنا.. الحب يغيرنا.. الكره يغيرنا.. الخوف.. الحلم.. النجاح.. الفشل.. حتى لقمة العيش اليومية تغيّرنا.. الحياة برمتها تغيرنا!

نحن نتغير وهذا الأمر طبيعي جدا وأبدأ فيه مقالتي اليوم كتذكير لأولئك الخائفون من التغيير المجمدّون لأرواحهم وحياتهم خشية من حدوث شيء ما! ولمَ لا؟ دع التغيير يقتحم حياتك لن يحدث ما تخشاه فعقلك لا يزال في موضعه وأنت وحدك من يختار ويقرر ما يشاء..

اليوم أثناء تناول قهوتي كنت أفكر إلى أي مدى تغيرت؟ وهل أنا ذات الشخص قبل سنتين على الأقل؟  مالذي حدث في حياتي وصنع تغيّرا في طريقة تفكيري وطريقة التعاطي مع بعض شؤون الحياة ومع الأحداث المعاصرة في محيطي وفي العالم؟

حسنا سأجيب عن هذه الأسئلة بالترتيب. أولا؛ أعتقد أني تغيرت إلى أبعد مدى. إلى ذلك المدى الذي كنتُ أخشاه في فترة من فترات حياتي. تغيرّت إلى درجة أصبح الشك هو أسلوب حياة! عدم الثقة فيما يحدث وفيما سيحدث.. فيما قيل وفيما سيقال. أصبحت مؤمنة بالشك أكثر من أي شيء آخر… أصبحت متصالحة مع شكوكي حدّ اليقين.

لا أستطيع أن أصدق هذا أو ذاك.. ولا أن أكذب هذا أو ذاك.. أقرب إلى الحياد من أي شيء آخر.. وكل العالم صديقي! نعم صديقي.. لا عدواة بيني وبين أي أحد.. وإن كانت شكوكي مزعجة لغيري أحيانا لكن هذا ما لا أستطيع تغييره على الأقل في الوقت الراهن! العالم اليوم أصبح مجنونا لدرجة مؤذية لذلك وجدت من الشك والتشكك طريقا لعدم الاكتراث بأي شيء والانشغال فقط بما ينفع!

كيف وصلت لهذه المرحلة؟ أعترف لكم أن دراستي هي السبب.. وممتنة جدا لحدوث مثل هذا التغيير بسبب دراستي.. درست خلال الفصل السابق مادة اسمها “Multicultural counseling” تناولت هذه المادة ثقافات مختلفة وكل أزمة تعيشها ثقافة أو طائفة من الناس، المسلمين، المثليين، البيض، السود، اللاتينيين، الآسيويين.. وغيرهم. هذه المادة غيّرتني بشكل لم أكن أتصوره.. كنت في كل مرة أقرأ كتاب المادة، أجلس أياما أفكر فيما قرأت.. الكاتب لم ينقل فقط معلومات بل نقل إلينا قلوبًا نابضة في أنحاء متفرقة في العالم تريد أن تعيش بسلام وحب وكرامة..

لم تكن المادة محصورة على هذا الكتاب بل كنا نشاهد أفلاما وثائقية عن بعض الأعراق والقضايا المعاصرة. هذه الأفلام جعلتني أفكر بطريقة لم أعهدها، منحتني أداة جديدة في التثبت من أي معلومة يطرحها الإعلام أو أي أحد.. جعلتني حذرة جدا وحرّة جدا.

باختصار إنني بدأت أتحرر إنني أصبح إنسانا كما يقول -زوربا-

أخيرا، ولست هنا في موضع الناصح الأمين، ولكن أقولها بملئ فمي تغيروا.. اسمحوا لرياح التغيير أن تعبر قلوبكم وأرواحكم وأن تعبث بها.. تغيروا كي تعيشوا!

مهم إلى حدٍ ما · آخرون

أنا لستُ في غيبوبة!

756281
شاهدت البارحة حلقة سيلفي والتي كانت بعنوان “غيبوبة”. مدة الحلقة كالعادة ٣٠ دقيقة، ولكن تجاوز التفكير في مادتها فترة أطول. لذا أحببت أن أشارككم مخرجات تفكيري بالحلقة.
قبل أن أبدأ أحب أن أذكر رأيي في هذا المسلسل بأنه رائع وكل موسم يتفوق على الموسم السابق. بالتأكيد إبداع النص هو السبب أولا، والذي يقف خلفه القلم السعودي المبدع خلف الحربي. وأما السبب الثاني فهو الممثل الكبير ناصر القصبي وزملاؤه.
حسنا، ما قصتي مع هذه الحلقة بالتحديد؟ ولماذا أكتب عنها الآن؟ لهذه الحلقة أبعاد عميقة جدا، ليست فقط كما ظهرت كقصة رجل دخل في غيبوبة لمدة ١٥ سنة بسبب حادث سيارة. فكما صور الكاتب أن الحادثة وقعت في زمن الملك فهد يرحمه الله، وعندما أفاق الرجل “عمر” من غيبوبته في الوقت الحالي في عهد الملك سلمان!
ربما أراد الكاتب أن يقول أن الحياة تتغير وهذه طبيعتها، سرعة التغيير لا تقاس بالزمن بل بحجم الأحداث الواقعة خلال هذا الزمن. الربيع العربي ٢٠١١ -على سبيل المثال- غيّر العالم العربي في سنة واحدة، ولايزال التغيُّر مستمرا وإلى أين؟ الله وحده يعلم! أقول التغيّر وليس التغيير لأن هناك قوة غامضة صنعت هذا الحال. لم تكن قوة شعبية كما كنّا نسمع ونرى في البدايات ليسمى الوضع “تغييرا”. “على أية حال لستُ مطلعة جيدة على هذا الجانب ولكنه مجرد استطراد”
المهم، ماحصل في حلقة سيلفي أبعد بكثير من مجرد عرض للأحداث الواقعة خلال فترة غيبوبة عمر. عمر يمثل كثير من أولئك الناس الذين أدركوا وليس بيدهم حلا سوى المواكبة والشعور بالألم، أن التكنولوجيا ووسائل السوشال ميديا أصبحت مهيمنة و لم تغير الزمان والمكان فحسب بل غيّرت حتى النفوس. أصبح الإنسان منكبا على أجهزته يراعِ مشاعر المجهولين خلف الشاشات أكثر من المقربين الذين يجلسون بجانبه. أصبح الإنسان في عزلة حقيقية عاجزا عن التواصل لأنه ببساطة لم يعد يملك هذه المهارة أو لم يتعلمها بالأحرى. ولم تعد تغريه أحاديثا مباشرة عن الحياة الحقيقية. أصبحنا نضحك على كبار السن عندما يتعاملون مع أجهزتهم الذكية بطريقة ما تعبر عن صعوبة تعايشهم مع هذا النمط الجديد من الحياة. وأنا متأكدة أنه سيأتي زمن يُتخذ منّا نحن أضحوكة على تقنية جديدة لا نعرف أن نتعامل معها!
ماحصل في حلقة سيلفي يصور نوعين من البشر في هذا الزمن؛ الأول: أولئك الذين لديهم قدرة على مواكبة الحروب والأزمات لدرجة التبلد. والثاني: هم “عمر” وآلاف مؤلفة من عمر، يعيشون في غيبوبة تامة لا يغيرون ولا يتغيرون ولا يريدون أي شيء أن يتغير. وللأسف أن كلا النوعين ليس مما يطمح له مجتمع حضاري متقدم.
فالأول بالرغم أنه يتعايش إلا أنه بعبارة عاميّة “مع الخيل يا شقرا” لاشيء يميزه ولا يملك بيده شيئا يجعله متفردا عن غيره. نعم نحن في زمن أفقد الحياة تنوعها لدرجة أصبح الإنسان غير قادر على الاختيار. أصبحت الموجة تأتي به وتذهب.
أما الثاني، فهذا نوع آخر من الناس لا يزال يعيش في زمن سابق، مهما تقدم الزمان لا يريد أن يقتحم هذا التغيير عقر داره. يخاف من الجديد لدرجة “مرضيّة”، متمسك بأفكار لا تسمن ولا تغني من جوع، أفكار لم تعد صالحة لهذا الزمان، بل تكاد أن تصبح رموزا لا يفهمها إلا من عاش في زمنها! الإشكالية في هذا النوع من الناس أنهم مؤثرون ليس على أنفسهم وحسب كما هو الصنف الأول بنظري بل وبنسبة كبيرة على الآخرين، لأنهم يحاربون لحماية القوقعة التي يعيشون فيها، يؤذون ويؤذَون..
أخيرا أحب أن أقول، أنا لستُ في غيبوبة لذا أنا أتغيّر..
أنا لست في غيبوبة لذا أنا أخطئ وأسامح وأتعلّم..
أنا لست في غيبوبة لذا أحبٌ الحياة كل يوم وأشتاق لكل تفاصيلها الصغيرة..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أتنفس كل يوم هواء جديدا وتبزغ في ذهني أفكارا جديدة..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أفرح اليوم وأحزن غدا، أنجح و أفشل و أحاول مرة بعد أخرى..
أنا لستُ في غيبوبة فأنا أحلم ليلا ونهارا..
أنا لستُ في غيبوبة فلا تغيبوني عن الحياة!
في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

يوم في مدرسة ابتدائية أمريكية

art and sign
طالبات من الصف الثالث يرتدين ملابس شعبية

يوم الخميس الموافق ١٨ مايو ٢٠١٧، شاركت في برنامج مدرسي بعنوان فن وإشارة Art & sign، مقام في مدرسة ابتدائية في مدينة كينقستون في ولاية بنسلڤينيا.

البرنامج بادرة من النادي السعودي في كلية كينقز و جامعة ماريوود عن السعودية، كثقافة وتراث.
كانت المسؤولية ملقاة على عاتقي إلى حد كبير بحجة أن لي خبرة في التعامل مع الأطفال كوني مدرسة سابقة للمرحلة الابتدائية، وقامت صديقتي الأمريكية بمعاونتي بل وطرحت أفكار جميلة تتناسب مع مستوى التعليم الذي تطمح إليه المدارس الأمريكية، فالنظام مختلف بطبيعة الحال عن نظام التعليم لدينا في السعودية!
كان البرنامج مكون من عدة فقرات:
مقدمة تعريفية عن السعودية، موقعها، لغتها، أطباق شهيرة، أزياء شعبية، و موسيقى. ثم عرض فيلم قصير لزائر أمريكي للسعودية، وأخيرا فقرة تلوين وتجريب الأطفال لبعض الملابس الشعبية.
كان برنامجا لطيفا بالمجمل، استغرق نصف ساعة لكل صف دراسي، وقمنا بعرضه على سبعة صفوف دراسية.
اختلف الطرح بناء على عمر كل صف دراسي، فمثلا أول صف كان الصف الخامس. أدراكهم كان جيدا جدا ولاحظنا استمتاعهم بكل التفاصيل التي عرضناها لهم. وناهيكم عن أسئلتهم الكثيرة سواء عن اللغة العربية، عن الحجاب، وعن تفاصيل صغيرة في الفيلم كـ سعر “البنزين” مثلا، أو عن المطاعم الشهيرة في السعودية كماكدونالدز وبرجر كنج!
كنت متوترة قبل القيام بهذا المشروع، فالتعامل مع الأطفال ليس سهلا. كيف وإن كانوا أطفال من ثقافة أخرى لم أعتد أن أكون في بيئتهم التعليمية من قبل ولا أعرف تماما ماهو مقبول أو غير مقبول؟! بالتأكيد سيكون الأمر أكثر صعوبة.
في الواقع لم أضع في البرنامج مايدل على الدين الإسلامي. لأنني شخصيا لا أحب أن يحاكمني الآخرين بناء على ديانتي ولست مخولة في الواقع للحديث عن الدين. فرأيي دائما أنني شيء والدين شيء آخر. وإن كان مظهري يدل على ديانتي لمن يعرف.
في أحد الصفوف أعتقد أنه الصف الرابع، طفلة من أوكرانيا كانت تتحدث معي وتعلمني بعض الكلمات الأوكرانية، لعل ما أتذكره الآن أن في لغتهم كلمات كثيرة تنتهي بحرف التاء! وهذا ما لاحظته منها. سألتني لماذا أرتدي الحجاب! فحاولت أن أشرح لها أنه رمز ديني يفعلنه المسلمات. خاصة وأني كنت شبه متأكدة أن لديها خلفية مسبقة أو ربما كانت من عائلة مسلمة، فكما هو معروف أن نسبة المسلمين في أوكرانيا مرتفعة ومعروف الاضطهاد الحاصل هناك على مر التاريخ. ثم قالت لي الطفلة: شاهدت فيلما كانت فيه امرأة محجبة مثلك، وكانت سعيدة جدا وتردد كثيرا في الفيلم أنا سعيدة كوني مسلمة محجبة! لا أعرف مالذي أصابني بالتحديد ولكني تمنيت أن لاينتهي الوقت مع هذا الصف وأن أستمر في الحديث مع هذه الطفلة أكثر فقد شعرت أن خلفها قصة ما!
وفي صف آخر كانت هناك طفلة تخبرنا واحدا بعد الآخر أنها يهودية و تتحدث الروسية. ثم تسألنا إن كنّا نريد تعلم الروسية منها ثم تتحدث ببضع كلمات لا أذكر منها حرفا الآن.. أعجبني في الواقع فخرها بهويتها. ولابد أن لوالديها دور كبير في هذا التعزيز. مهم جدا أن ينشأ الطفل في بيئة تغمرها الثقة. ودائما ما أقول ما أصعب أن يولد طفل في بيئة متوترة وما أصعب أن يعيش حياته فيها!
حصلت كثير من المواقف العفوية الطريفة. فمثلا، عندما سألنا طلاب الصف الأول عن توقعاتهم أين تقع المملكة العربية السعودية؟ قالت طالبة وبثقة متناهية في ولاية نيوجيرسي. تمنيت في الواقع لو كانت هذه الإجابة هي الصحيحة فعلا 🙂
موقف آخر عندما جرّب أحد الأطفال الثوب الأبيض “الرجالي”  قال أشعر أني امرأة في يوم زواجها 🙂
طفلة أخرى تناولت تمرة فسألتني إن كانت المادة اللزجة كراميل؟! 🙂
أما القهوة العربية، فقد كانوا أذكياء جدا حيث استطاعوا أن يميزوا رائحة الزنجبيل في مكوناتها! أحد الأخوة يبدو أن قهوته كانت على الطريقة الجنوبية، وما أعرفه عن القهوة في منطقة الجنوب أنه يضاف إليها الزنجبيل.
لاحظت أن طلاب كل صف كانوا إنعكاسا واضحا لمدرسهم أو مدرستهم. فعلى سبيل المثال، في الصف الثاني كان الطلاب يشعرون بالملل ويرددون تعابير غير لبقة كردود فعل لتذوق التمر أو القهوة ! نظرت إلى المدرس وكان رجلا مما أثار استغرابي، وأعتقد أن الرجل لايصلح لتدريس مراحل عمرية صغيرة، كان المدرس يمضغ علكًا في فمه ويقلب طوال الوقت في هاتفه!
في صف آخر وكان الصف الأول، كانت المدرسة بشوشة التعابير ومتفاعلة مع كل طالب. كانت تجلس معهم على طاولاتهم وبالقرب منهم. كانت تتحدث مع كل طالب بطريقة حنونة. وكانوا طلابها لطيفين، نظيفين، و متفاعلين مع كل ما تم عرضه لهم. كانوا يقولون شكرًا ولو سمحت بعد كل جملة.
وعندما انتهى برنامجنا معهم خرجوا يرددون وداعا و سعداء بمعرفتكم.
وبالنسبة لي كان يوما مليئا بدروس تربوية عميقة سأتذكرها دائما في حياتي الشخصية و المهنية بإذن الله..
سعيدة بهذه التجربة للغاية و أحببت أن أنقلها لكم لتشاركوني المتعة.