مهم إلى حدٍ ما

مرت سنة..

..Screen Shot 2019-01-02 at 1.14.18 PM

مرت سنة أخرى.. إنها السنة الأسرع على الإطلاق تماما كما نقول في كل سنة! والحقيقة بأن الذي يشعرنا بمرور سنة ما أسرع مما قبلها؛ هو أننا نمضي دون أن ندرك حقا قيمة هذا الوقت الذي بين أيدينا و حجم هذه الطاقة اللامحدودة التي نملكها.. نكبر يوما بعد يوم، نتغير، ننضج، نتحول، نلتقي بالغرباء ونبتعد عن الأقرباء، نفرح، نحزن، نتشاجر ونتصالح.. ولكننا بكل أسف لا نسامح ولا نتسامح.. تمر السنون، وفي كل عام نكتشف بأننا لا نعرف حقا كيف نسامح ونتسامح، ببساطة لأننا لا نتحرر من آلامنا و نبقى نكرر ذات الأخطاء.. ندور حولها بسبب التشبث العاطفي بكأس مخدوش.. أو بقطعة بالية.. أو بروحٍ قد خُطفت بشكل أو بآخر.. ببساطة لأننا ضعفاء وللغاية أمام فكرة الرحيل.. الرحيل بالكامل!

نحن عندما نرحل لا نعرف أن نرحل جميعا.. بل تبقى قلوبنا دائما في ضفة أخرى.. ويبقى شبح الذكرى يزاورنا مع رشة عطر، عند منعطف ما.. في مدينة هادئة أو أخرى صاخبة.. على قمة جبل بعيدا عن كل شيء إلا من أنفسنا المملوءة بكل شيء.. أو على حافة شاطئ يضج بالأمواج التي تبعث معها ذكرى، اثنتان أو أكثر تعبث بهذا القلب الذي لا يدري كيف اختزلت تلك الذكريات الطويلة في وقت قصير.. كالأمواج الممتدة حين تلتقي لتحدث ضجيجا في لحظات متقاربة..

أن تدخل أبواب عام جديد، وأنت لاتزال تفكر بأحداث وأحاديث ليلة البارحة على سبيل المثال، هو مثال جلي بأنك غير قادر كفاية على الرحيل أو واقعيا على التجاوز بكل بساطة.. هل لأننا بطبيعتنا ذوي حساسية عالية؟ أم لأن البشر أصبحوا أكثر حدة في تعاطيهم مع الغير؟ وما الغرض من هذا؟ حتى يكاد كل فرد يفاوض الآخر بأنه الأفضل والأرقى والمتقدم الذي لم يسبقه أحد في عصره المتخبط؟! وكأن هناك رابح وحيد في نهاية الطريق والكل يريد أن يصبح هذا الرابح! تختلف معادلات البشر والنتيجة وحيدة هي البقاء.. و أنت وحدك من يختار أن يبقى الآن فقط أو يبقى الآن وبعد الآن..

أكاد أكون مؤمنة بأن التجاوز قوة عظمى.. عندما تصبح قادرا على تجاوز المحنة مهما كان حجمها ولا أعني “التجاهل”، فأنت تستمد قوتك من الألم الذي تعيشه لتصل أخيرا إلى نقطة التجاوز.. قد يستغرق الأمر وقتا بحسب طبيعة المحنة وحجمها، ولا أحد على الإطلاق يستطيع تقديرها تماما غيرك أنت، لأنك أنت الوحيد الذي يملك الصورة الكاملة.. فتأمل بعقلك وقلبك جيدا!

عندما تتعرض لصدمة، لخيبة، لفشل.. ويحيطك الألم من كل جانب.. ليس ضعفا أن تبكي، ولو كان كذلك لما خلقت الدموع ولما وجد لها مجرى.. ليس خطأً أن تواجه آلامك، وتجابه أخطاءك بل وحتى أولئك الذين تسببوا بها لك.. بل دعوني أخبركم بأن المواجهة هي دواء الداء! المواجهة تختلف عن المهاجمة، تختلف عن البجاحة، المواجهة السليمة هي التي تستند على عاملين مهمين: الاحترام، وتقبل الآخر.. عندما تنعدم هذه العناصر فتأكد بأن المواجهة عديمة الفائدة وقد تصبح حربا وعداء..

ابدؤوا عامكم بشفافية.. تحرروا من أعباءكم.. وتجاوزوا آلامكم القديمة..

أتمنى لكم عاما مفعما بالحياة والسعادة يا أصدقاء..

“إذا لم تكن روايتك مقنعة، فسيكون العالم مترددًا. إذا كانت عاطفية، فإن العالم سيشتريها ؛ إذا كانت تلامس القلب ، فقد ربحت الروح!” – مارتن.

مهم إلى حدٍ ما

أن تعود إلى الجذور..

12ede6c15ec600473fe5d2049e181ee4

مساءكم سعيد أصدقاء التدوين..

غبت طويلا مؤخرا بسبب فترة انتقالية مررت بها وأظن أنها انتهت على أكمل وجه 🙂

أنشر لكم اليوم أول تدوينة بعد عودتي للوطن، من الواضح أني قد عدت قبل مدة غير قصيرة خمسة أشهر من الآن.. وفي هذه الفترة اكتشفت أن علاقتي بالتدوين مرتبطة تماما بالهدوء والخلوة التي قلما أجدها في الوقت الحالي لارتباطي أولا بعملٍ يلتهم كل وقتي وطاقتي دون أن أدرك.. وثانيا لانتظاري ذلك الشعور القديم بالاستقرار والانتماء من جديد لمجتمع بالكاد ألتقط فيه أجزاء من نفسي..  والخبر السعيد حقا أيها الأصدقاء، أن الأمور بدأت تستقر في مكانها الصحيح والوقت بدأ يرخي حباله ويمنحني بعضا منها لاسيما ونحن الآن في الأسبوع الأخير من هذا الفصل الدراسي..

دعوني أتحدث لكم عن تجربة العودة للوطن بعد ستة أعوام من الغربة في الولايات المتحدة الأمريكية تلك البلاد التي أكن لها كل الحب لأنها نقطة الوصل الأولى بنفسي وبعالم ممتد من تلك النفس الشغوفة ولأفق لا نهاية له، تلك البلاد هي مركز الاكتشاف الكبير لعالم شاسع يحتوي مالا يستطيع أن يتصوره العقل البشري من الاختلاف.. حسنا دعوني أصارحكم أن الكتابة في هذا الموضوع تحرير جميل لم أشعر من قبل أني بحاجته حتى كتبت الآن. 🙂

سئلت كثيرا بعد العودة كيف سأستطيع التكيف والتعايش من جديد في هذا المجتمع؟ لم يكن لدي جوابا محددا في الواقع. ولم تكن عودتي دراماتيكية “على الأقل في البدايات”. لم ألتقط أدق التفاصيل أثناء العودة كآخر كوب قهوة مثلا أو أنشر في البرنامج الراحل “باث” آخر أغنية سمعتها عندما كنت هناك. بتاتا! ولكن ببساطة كنت غير مبالية وكثيرا ما أقول لنفسي إنه الواقع ويتحتم علي تقبله مهما يكن. في الواقع قبل العودة بشهر أو شهرين التحقت بسشن (Art Therapy) (فن علاجي). التحقت برغبة من صديقتي الأمريكية التي كانت بحاجته بسبب ضغوط الحياة والدراسة في مجتمع رأسمالي! والتي كانت تعتقد أني بحاجته أيضا بسبب عودتي القريبة للوطن!! وافقتها الرغبة دون أن أبدي جديتي التامة في الفكرة بل بمبدأ “nothing to lose”. كان السشن أسبوعيا، وفي كل أسبوع نفرغ تلك الطاقة السلبية بالفن بالوسيلة التي أحبها كثيرا وكنت في مرحلة زمنية من عمري أستخدمها كثيرا. في الواقع بعد ستة أسابيع أدركت حقا أن الفن وسيلة رائعة لحل معضلة ولو بشكل نسبي حتى لو لم ندرك قطعا أننا في معضلة ونحتاج أن نعترف بوجودها على الأقل. أعتقد أن ذلك السشن كان سببا لبداية إدراكي وتقبلي لما هو قادم. وأن ذلك العالم الوردي الذي عشته خلال الست أعوام الفائتة لن ينتهي بل سيصبح عالما حقيقيا إذا آمنت تماما أنه يقبع في قلبي وليس في مكان ما أو في زمان ما. هذا ماحصل في الواقع، هو أني تحدثت كثيرا عن ما كنت أشعر به عبرت عنه بخطوط وألوان اختارها الموقف وفسرها الشعور بالألم، بالفرح، بالحزن، بالفراق، باللقاء، بالمجهول، و بكل المشاعر الممكنة.

أمضيت ثلاثة أشهر بحثا عن عمل، وجاءتني فرصة أعتقد أنها جيدة جدا لاسيما وفي  هذا الوقت القياسي! علمت أن طريقي ميسرا وأحتاج فقط أن أمضي فيه ونحوه.. عندما بدأت في العمل والانخراط الحقيقي، بدأ مسلسل الاجتياح 🙂 المطر يذكرني.. القيود الاجتماعية تذكرني.. ضغط العمل وبعدي عن هواياتي الصغيرة يذكرني.. كل شيء يذكرني وفي الواقع لا شيء يعجبني كما يقول درويش. أدركت أن الصدمة الحضارية كانت متأخرة قليلا. ولكن الخبر السعيد أن كل شيء كان بقدر كافي تحت السيطرة. قد أبدو دراماتيكية “الآن” ولكن هذا ما كانت تفرضه المرحلة 🙂

أعيش الآن في مدينة صغيرة لطيفة حيث مكان عملي.. أثثتُ مكانا يشبه مكاني هناك ويشبهني أكثر.. أشعل فيه شموعا بروائح مألوفة.. أحضرت بعض النباتات الخضراء.. أسمع أغنيات جديدة تصنع لهذا المكان الجديد ذكريات جديدة.. أمارس أعمالي بحب واجتهاد.. أتعلم شيئا جديدا.. أستمع لحديث ملهم.. ألتقي بالعائلة والأصدقاء كل حين..  أقرأ.. أقرأ.. وأقرأ!

والحياة حتما سعيدة إذا ما اخترنا أن تكون كذلك 🙂

 

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

لاشيء معي إلا كلمات!

IMG_4960

مضى من العمر طويلا، ويوما بعد يوم أدرك أكثر بأن لا شيء يجعل المرء سعيدا إلا إحساسه بذاته.. والذات لا تصنع بيدٍ واحدة، ولا حتى بأيادٍ كثيرة. بل تصنع بقلوب تحب، وبأعين تبصر، وبأذهان تنصت..

كبرتُ في بيئة يتحدث فيها الصغير مع الكبير ويسمع فيها الكبير إلى الصغير، نشأت في بيتٍ يحتضن الكثير من الحب، الاحترام والثقة..  والكثير الكثير من الهدايا.. لا أتحدثٌ هنا عن هدايا باهظة الثمن كـ ساعة من شانيل، أو حقيبة من دولتشي آند قبانا.. أتحدث عن هدايا أخرى لا تباع ولا تشترى.. هدايا تبنى تماما كما تبنى الجبال الراسيات لا يحركها الزمان ولا يبدلها المكان.. أتحدث عن ألمٍ جميل ومعاناة لذيذة ولدت منها آمال وطموحات كبيرة.. عن أحزانٍ سعيدة عن مفارقاتٍ مدهشة لم أفهم ماهيتها حتى الآن ولا أريد أن أفهم، غير أني أعلم يقينا أنها تقودني نحو فجرٍ سرمدي.. هذه الهدايا لا تنتهي ما انتهت هذه الحياة!

هذه الهدايا ربتني كثيرا.. علمتني كثيرا.. فرحت لي كثيرا.. وحزنت لحزني كثيرا كثيرا.. هذه الهدايا هي والدي صديقي ومعلمي الأول.. أمي منى عمري الأبدي، شقيقتي الشذا الذي لا أقوى حياتي دونه.. وأخوتي الخمسة الجدار الذي أسندُ ظهري إليه.. هذه الهدايا هي جنتي هي عائلتي التي امتدت منها هدايا أخرى قابلتها في حياتي خلال غربة الخمسة أعوام.. كل يوم وكل ليلة.. في وجوه الغرباء.. في ابتسامات البؤساء.. في نجاحاتي في حنيني واشتياقي.. شعرت بها رغم المسافات الطويلة والزمن المسبوق.. ولو كان بوسع الإنسان أن يظهر قلبه لفعلت الآن، ولكن.. حقا.. لا شيء معي إلا كلمات!

أدركتُ في محيط عائلتي أن الحب يكبر ما كبرت.. وأن بذرته مدفونة في أول بقعة نبضَ فيها قلبي.. وفي أول كلمة نطق بها لساني.. وبأول يدٍ لمست جبيني.. وفي أول عينين صافحت عيناي… نعم هناك قبل ثلاثة عقود من الزمان في منتصف الثمانينات في الزمن الذي قلنا عنه مرارا وما زلنا بأنه الزمن الجميل.. في بيتٍ صغير جدا في مدينة الرياض بعيدا عن كل شيء وقريبٌ من كل شيء.. بيتٌ يغلفه قلبين يغرقاني حتى اليوم بفيض من عاطفة تملئوني بهم حدٌ الكفاية..

تلك البذرة البعيدة أراها اليوم شجرة كبرت وامتدت جذورها ضاربة أعماق القلوب، وجذوعها معانقة عنان السماء.. أراها في عيونهم.. في ابتساماتهم.. في أفراحهم وانكساراتهم.. كنتُ أراها كل يوم في تمام المساء هناك حيث الأمس القريب، في تمام التعب، الجهد، الطموح والسهر.. هناك عندما يتهادى صوتُ والدي الفجري القادم من الشرق المملوء بخوفه، بحبه، واهتمامه.. كان صوته البعيد أشبه بجرعة مهدئات للأشواق اليقظة في روحي.. كنتُ أراها في دعوات أمي حين ألتقي بالطيبين في طريقي أولئك الذين لا تربط بيني وبينهم قرابة دم أو صلة دين.. كنت أستمتع بمشهدها كلما تغيرت ألوان الأشجار خريفًا لتصبح الدنيا ملونة كلوحة فنية بديعة.. أو كلما لبست الدنيا ثوبًا أبيضًا في الشتاء، كأياديهم البيضاء التي صافحتني كثيراً رغم البعد..

تلك البذرة البعيدة، أثمرت اليوم لتصبح قريبة جدًا.. تماما كقرب شقيقي رفيق دربي ياسر في سنوات الغربة.. ذلك الجندي المجهول خلف قصة لم تكن لتكتمل دون وقوفه جانبي دومًا..

هاقد جاءت اللحظة لأقدم نجاحي ووصولي اليوم لأهل الفضل.. لعائلتي.. لأحبتي.. للصديقات.. وللقلوب البيضاء التي احتضنت وجودي هناك وكانت لي أكثر من عائلة..

لهم مني وافر الحب والثناء..

..

النص بتسجيل وإلقاء المبدع سموت الراشد:

 

 

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم: Passengers!

lead_960

عودة بعد انقطاع عن التدوين..

أعتذر لهذا الغياب كونها فترة إنهاء مرحلة واستعداد لمرحلة أخرى. ولكن شاهدت فيلما خلال الأيام السابقة يحاكي فترتي الانتقالية هذه، بالرغم أني لم أخطط لمشاهدته تزامنا مع الأحداث والمرحلة الراهنة. جعلني العمل أتوقف قليلا وأفكر بمحتواه وأستمتع بتفاصيله الجميلة. ومن عادتي التي قد تكون سلبية أحيانا أنني لا أسمح لأي عمل فني، فيلما كان أو كتابا. لوحة يتيمة في حائط، أو سيناريو مع غريب في رحلة عابرة، من أن تمر دون أن تحدث أي أثر. ربما لو قلت بأن مصدر إلهامي في الحياة هي كل هذه الأشياء التي ذكرتها لاعتبرني أحدهم فارغة بلا أصول ثابتة. ولعل هذا مالا يتعارض مع طبيعتي الحرة.  لن أطيل عليكم كثيرا فالمقصود هو فيلم الركاب “Passengers” والذي يعتبر أحد أعمال سنة ٢٠١٦ المميزة.

لن أتحدث عن تفاصيل القصة بل كما العادة عن قراءتي الشخصية للعمل. بداية أعتقد أن فكرة العمل مبهرة وخيالية كما تصنف، ولكن يستطيع أي منا إسقاطها على الواقع وأحداث الحياة الطبيعية.

لمن لم يشاهد الفيلم فالفكرة باختصار تدور حول مركبة فضائية تضم مجموعة من الركاب النائمين في صناديق مجهزة. قرر هؤلاء الأشخاص مغادرة الأرض والسفر إلى الأفلون لتجربة حياة مختلفة وجديدة. ولن تصل المركبة إلا بعد مرور ٩٠ عاما من السفر. لذلك تم تخديرهم لكل هذه السنوات حتى إذا ما وصلت المركبة استيقظوا وبدأوا باكتشاف حياتهم التي غادروا الأرض من أجلها. يحدث خطأ في صندوق “جيم” وهو أحد النائمين على ظهر المركبة ليستيقظ مبكرا جدا ولا يستطيع العودة إلى النوم بسبب هذا الخلل. الأمر الذي يكاد أن يكون مرعبا للغاية، كيف سيعيش وحيدا كل هذه السنوات وفي مركبة فضائية خالية من البشر إلا من النائمين؟! وهذه الفكرة أخذتني في الواقع لمشكلة “الأرق” وعدم القدرة على النوم في الظروف الطبيعية. لابد وأن جرب أحدكم مراقبة النائمين في لحظات يهرب النوم فيها من عينيك وتصبح كالحارس بينهم وعلى رؤوسهم. تتأمل وجوههم وتتمنى لو كنت واحدا منهم. تنتظر أن يستيقظ أحدهم ويقتل وحدتك اللعينة. كيف وإن كنتَ في مركبة فضائية وكان من المفترض أن تكون نائما لمدة ٩٠ سنة. ولخطأ ما لا تعرفه أصبحت أنت اليقظ الوحيد وإلى عقود من الزمن لا تدري هل ستقضيها وحيدا أم هل سيرافقك أحد ما ذات يوم أو ذات عام بالأحرى. الفكرة مرعبة حد الانهيار وهذا ما حدث لـ جيم في البداية.

يلتقي جيم بالصدفة في لحظة انهياره برجل يعمل في بار في المركبة، فيشعر بأن الأمل قد ولد من جديد. عندما يقترب منه يكتشف بأنه روبوت مصنّع على هيئة بشرية! وياللخيبة من جديد!

المركبة مجهزة بالكامل بروبوتات كانت ترسل رسائلا إيجابية لجيم حتى يتمكن من تجاوز هذه المحنة والتعايش معها.

بدأ يزاول حياته بشكل طبيعي لمدة عام. إلى أن لمح إحدى النائمات فبدأ يقرأ عنها ويتعلق بها وبصوتها المسجل في ملفاتها المحفوظة في جهاز الكمبيوتر. بدأت تتمكن منه فكرة إيقاظها عن طريق فتح الصندوق الخاص بها. حاول مرار أن يبعد هذه الفكرة ولكنه لم يستطع إلى أن قرر أن يقوم بإيقاظها. عندما استيقظت بدأت أحداث القصة تبدو أكثر إثارة وأكتفي أنا هنا بهذا القدر من القصة..

دعوني الآن أتحدث عن  المعاني العميقة التي تخللها العمل وحاول إيصالها للمشاهد من وجهة نظري الشخصية.

أولا: يحدث أن تضعك الحياة في ظروفٍ لم تختر أن تكون فيها، أن تقلب واقعك رأسا على عقب، أن تتغير خططك المستقبلية بسبب هذه الظروف الطارئة، أن تجعلك حزينا، مستاءا، محبطا وغير قادر على المواصلة. ماذا يجب عليك أن تفعل؟ أن تستسلم لكل ما حدث؟ أن تسمح لحزنك، احباطك، واستياءك أن يسيطر على ما تبقى من قلبك وعقلك؟ كل إنسان محب للحياة سيقول “لا” بالتأكيد! ولكن هل أنت قويا بما يكفي؟ القوي هو من يجعل كل تلك الظروف تعمل لمصلحته، أن يقودها هو لا أن تقوده هي. أن يعتبرها شجرة جديدة لها ثمارٌ مختلفة الشكل واللون والمذاق وأن يسمح لنفسه بأن يقطفها ويستمتع باختلافها. القوي هو من يجعل مساره حرا يتوقع انحرافه في أي لحظة مباغتة، وأن يكون مدركا ومتقبلا لكل طارئ في طريقه.

في هذه الحالة فقط يصبح الإنسان إنسانا أقوى، وتبقى قوة الإنسان في عطاءه لا بأخذه! لا تنتظر من الحياة أن تفاجئك، اصنع مفاجأتك بنفسك وكن يقظا لأدواتك وممتلكاتك ووظفها جيدا لحاجتك.

ثانيا: قد تلتقي بأحد أهدافك في أحلك الظروف، تماما كما حدث مع جيم عندما التقى بالمرأة التي كان يبحث عنها طيلة حياته! كن متصالحا مع مفاجآت القدر. فلا تدري رب حلم يصبح حقيقة بين ليلة وضحاها!  حافظ على شغفك دوماً!

ثالثا: هل إيقاظ جيم لـ أرورا كانت جريمة؟ لوهلة، نعم! ولكن في مثل حالتها كدور كاتبة قررت أن تسافر إلى الأفالون بحثا عن السعادة، وأن تقوم بتأليف كتاب وفقا لتجربتها الفريدة، أعتقد أن جيم ساعدها بتحقيق هذا الهدف الأسمى. فما السعادة إلا الحب، وما التجربة الفريدة إلا التي تنبع من حب كيف وفي ظروف خيالية كتلك الظروف وخلال ٩٠ سنة؟! لابد و أن كتابها سيكون تحفة فنية خالدة مليئة بالنضج والابتكار، لابد وأن يكون نصا مقدسا تعكسه الأقمار الستة المحاطة بكوكب الأفالون!

وأحب أن أستطرد هنا في مسألة التأليف، وأطرح بعض التساؤلات. كيف يستطيع أي كاتب أن يؤلف كتابا وينشره في ظرف سنوات قليلة؟ هل يثق تماما بأفكاره، بعقله، باتجاه التيار الذي يمضي فيه؟ أو حتى بجودة النص الأدبي الذي ينشره؟ هل تلك المشاعر التي نشرها في عمل مطبوع ستبقى تماما كما هي؟ أم أنه سيعود ليقرأها مرة أخرى ويشعر بأنه يقرأ لشخصٍ آخر؟ كيف سيتعامل الكاتب المؤلف مع أفكاره التي تتغير بتغير السنين؟ كيف يضمن أن تأليفه لكتاب ما سيبقى خالدا حتى لو تركه خلفه وغادر هذه الدنيا؟ لستُ ضد التأليف إطلاقا، وأعتبره حق للجميع.. أنا فقط أفكر بصوتٍ مزعج وأمارس ما أملك من حرية لا أجرؤ أن أضعها بين دفتي كتاب على الأقل في الوقت الراهن. مع أخذ الاعتبار أن التدوين يختلف عن التأليف!

اقتباسات جميلة من النص البديع:

-أورورا: لا تتعلق بالأماكن التي تفضلها، بل حاول أن تنساها وأن تحقق أقصى استفادة من مكان وجودك. لقد ضللنا الطريق. لكننا وجدنا بعضنا وعشنا. حياة جميلة. سويا!

-أورورا: اعتاد والدي أن يقول: “إذا كنت تعيش حياة عادية، فكل ما يمكنك كتابته قصصا عادية. عليك أن تعيش حياة المغامرة لتصبح كاتبا لا يتكرر!!”

هذا كل مالدي. العمل جميل جدا ويستحق المشاهدة فعلا.

تقييمي: ١٠\١٠

مهم إلى حدٍ ما · سينما

مراجعة لفيلم Collateral Beauty

Unknown

شاهدت فيلم collateral beauty على متن الطائرة متجهة من لوس أنجلوس إلى الرياض. هذا الفيلم سمعت أنه تراجيدي قبل أن أقرأ النبذة القصيرة عنه، وقبل أن أشاهد إعلانه.
لم تكن خيارات الخطوط السعودية كافية فقررت مشاهدته كونه أحد الأفلام التي نويت مشاهدتها.
الفيلم من إنتاج سنة ٢٠١٦، من بطولة الرائع دوما ويل سميث والرائعة كيت وينستون..

قصة الفيلم تدور حول شخصية “هاوارد” الذي يقوم بدوره ويل سميث. هاوارد رجل أعمال يمتلك شركة بيع مستحضرات تجميل، ذكي مبدع قوي محب للحياة ومحبوب بين الناس وزملاؤه في العمل. يفقد ابنته بسبب إصابتها بمرض سرطان الدماغ. ويفقد بعدها رغبته بالحياة. غير قادر على الإنتاج والتواصل مع نفسه ومع الآخرين كما في السابق. ينعزل عن العالم، لا يجيب على هاتفه، ويتخلى عن هاتفه فيما بعد. لايأكل، ولا ينام جيدا. يصحو كل يوم في تمام السادسة صباحا ويقل دراجته، ويجابه السيارات في شوارع نيويورك المزدحمة ودموعه تملأ وجهه من ألم الفقد الذي لم يفارقه بعد سنتين من وفاة ابنته. كأن ضوء السيارات تفهمه، ولا تفضح شعوره كما يفعل الناس. كأنه يخاطر بحياته بين السيارات فلم تعد لحياته معنى بعد هذا الفقد.

هاوارد إن كان يفعل شيئا آخر في يومه فهو يكتب رسائل للأشياء فهو حريص أن لا يبوح بألمه لإنسان. يضع الرسائل في صندوق البريد؛ رسائل للحب، للوقت، وللموت.. رسائل قاسية جدا تعبر عن الألم الذي تسبب به له كلٌ من هذه الأشياء الثلاثة!

زملاؤه في العمل كانوا يعتقدون أن هاوارد قد أصابه شيء في عقله، فقرروا مساعدته. فبعد أن توصلوا للرسائل التي يكتبها، خطرت لديهم فكرة أن يبحثوا عن ممثلين يقوموا بدور كل من الحب، الوقت والموت. كل هذا فقط ليتأكدوا أن عقله لايزال في مكانه وبظنهم أن هذه طريقة جيدة لمساعدته!

هاوارد اكتشف حقيقة الأمر وقرر أن يتخلى عن الشركة ويرحل ويترك بصمة “الرجل الذكي المبدع” حتى وإن رحل متألما.

رسائل العمل رائعة سأختصرها بعدة نقاط:

– الفقد هو الألم الوحيد الذي لا يمكن أن يبرأ بحال، و لايخفف وطء هذا الألم إلا مشاركته مع من نحب ونفهم.
– الأشياء التي تسعدنا هي الأشياء التي تؤلمنا.
– لا تحكي آلامك إلا لمن يحسن الاستماع إليها فقط، أما أولئك الذين يتحدثون و ينكبون عليك بالنصائح فابتعد عنهم فهم ألد أعداء النسيان و الشفاء.
– لا تبرر ألمك كي ترضي غيرك؛ فلا أحد يعيش لغيره!
– الحياة قصيرة لكنها ليست ضيقة، متسعة ما اتسع الحب لكل شيء ولكل أحد.
– الذكريات تؤلمنا وتعزينا في الوقت ذاته.
– الوقت يقاس بالسعادة و الألم لا بعدد الأيام والساعات.

حقيقة العمل صادق و مؤثر جدا ولم أتمالك دموعي أثناء المشاهدة.

أنصح به وبشدة خاصة لمن جرّب ألم الفقد بأي شكل من أشكاله.

تقييمي: ٧/١٠

مهم إلى حدٍ ما

اصنع الفرصة بنفسك!


..

هناك الكثير من العبارات التي نسمعها من حولنا وتترك في حياتنا الأثر الكبير سلبا أو إيجابا وتكاد تكون هذه العبارات للأسف فارغة من المعنى.

سأكون واضحة ودقيقة أكثر، ما أقصده هو اكتفاء البلد من هذا المجال أو غيره، عدم الاحتياج، تكدس، وغيرها من المصطلحات التي لا ترمي إلا لمزيد من البطالة من جهة، ومن جهة أخرى المخرجات ليست بالكفاءة المطلوبة. والسبب بطبيعة الحال أن من يعمل في مجال ما، غالبا لم يعمل به برغبة منه بل برغبة سوق العمل رغم أن هذه الكلمة ليست دقيقة بما يكفي؛ فهناك الكثير من الخريجين والخريجات في تخصص معين كان في يوم من الأيام مطلوبا في سوق العمل ليصرح مسؤول العمل أنه تم الاكتفاء من هذا التخصص وغيره!

أنا لا أقول أن على الحكومة توفير وظائف لكل خريجي التخصص الفلاني! لأنه من الصعب بمكان تحقيق مثل هذا المطلب. ما أريد قوله هو أرجوكم لا تهمشوا تخصصا من التخصصات لأنه لا يخدم سوق العمل، واتركوا الآخرين يتخصصون فيما يحبون ويعملون ما يتقنون! لن يتقدم البلد إذا كانت مواردنا البشرية ليست في مكانها الصحيح.

أدرك جيدا أن تنويع المجالات وتوسيع الفرص وإعطاء مساحة لحرية الاختيار هي الحل الأمثل لتقليص مشكلة البطالة. أما الحد من الشيء لمنع وقوع المشكلة ليس إلا نمو للمشكلة باتجاه آخر ربما لم نفكر به ولم نتصور حدوثه.

نأتي لمصطلح سوق العمل؛ هل هو دقيق؟ من وجهة نظري أقول لا لأن من يحدد سوق عملك أنت، إبداعك، مهاراتك، خبراتك، وإختلافك عن غيرك. سوق العمل يجب أن يكون عالم شاسع يحتوي جميع الكفاءات بكافة أشكالها وأنواعها. لا يجب أن يكون محدود وضيق كما نرى اليوم، للحد الذي أصبح الفرد لا يشعر بذاته ولا يجد قيمة لنفسه. ثق بنفسك، اجتهد، واستعن بالله واصنع الفرصة بنفسك!
دمتم مكافحين

🙂

في أمريكا · مهم إلى حدٍ ما

ماذا تريد أن تصبح؟

..

في أحد الأيام قابلت المشرف على أطروحتي في الماجستير، والتي لا تزال قيد الدراسة.. 

تحدثنا عن قضايا كثيرة متعلقة بموضوع الدراسة، تماما كما نفعل في كل اجتماع.. 

في عرض الحديث سألني بطريقة مفاجأة: ماذا سوف تفعلين في شهر سبتمر عام ٢٠١٨؟ 

وأجبت بطريقة عفوية: لماذا شهر سبتمبر؟ 

فأجاب بعد حصولك على درجة الماجستير وتخرجك ماذا سوف تفعلين؟ تكملين دراستك؟ تبحثين عن وظيفة؟ تعودين لبلدك؟ 

أخبريني ماهي خططك المستقبلية؟ 

أعترف أني لا أعرف ماذا سأفعل، وليس لدي أي خطة واضحة للمستقبل. بل إن المستقبل لا يزال محجوبا بالنسبة لي. 

أعترف أيضا أني شخصية مشتتة، واهتماماتي كثيرة جدا وليس لدي تركيز محدد على مجال معين. 

وقصة التشتت مستمرة معي منذ الأزل.. والمجالات التي درستها متعددة ولا تصب في مجرى واحد. 

حقيقة لست منزعجة من هذا التشتت، أو دعوني أعبر عنه بشكل إيجابي وأقول “تنوع”. ومؤمنة أن ما أنا عليه الآن هو مزيج أنيق من كل ما جربته وتعلمته في حياتي. ولا أقول أني راضية تمام الرضا أبدا، بل إني أتطلع دوما للأفضل والأرقى.. 

ولكنني حقا، لا أعرف ماذا أريد. وكل ما أعرفه أني شغوفة جدا أحب التعلم والاكتشاف حتى لربما أصل إلى ما يشعرني بالانتماء والرضا الكامل. 

وفي ذات الوقت، أغبط أولئك الأشخاص الذين يعرفون جيدا ماذا يريدون أن يصبحوا، ولديهم رؤية مكتملة للمستقبل. وأؤمن جيدا أنها نتيجة للرضا، وأن الرضا غاية صعبة.. وتصبح أكثر صعوبة على من يحرقهم الشغف والطموح بلا أمد. وكما يقول أحدهم ” الرضا يكمن في الجهد، لا في التحقيق، والجهد الكامل هو انتصار كامل” ولعل مافي هذا القول ما يرضي حيرتي. 

أعود لسؤال مشرفي، وإجابتي. قلت له أني صدقا لا أدري. ولكنني سوف أبذل جهدي لأن أضيّق أدواتي وأجد الحلقة المشتركة التي تعينني على بناء مستقبلي. 

هل تعرف ماذا تريد أن تصبح؟ أخبرنا؟ كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟ 

مهم إلى حدٍ ما

قرار قيادة المرأة سيُصبِح أمرا مقبولا يوما ما..

أهلا يا أصدقاء..

بداية أحب أن أبارك لكل امرأة سعودية قرار السماح بقيادة المرأة في السعودية. 

السادس والعشرون من سبتمبر أصبح وسيدوم يوما تاريخيا لن ينسى، وهذا الجيل سيتذكر هذا اليوم بكل فخر واعتزاز. يوم لا أستطيع أن أقول عنه إلا بأنه يوم الانتقال من الإحباط وضياع الفرص إلى الوصول و تحقيق الذات. يوم يحول وضع المرأة من دائرة العيب والرذيلة إلى حدود واسعة من القانون والعدالة.. يوم قضى بسعادة غامرة على كل الخيبات وتحطم الآمال. بين ليلة وضحاها انتقل البلد من خريف عريق، إلى ربيع وليد.. 

ألف مبارك لنا وللبلد بهذا القرار العظيم الذي سيغير الكثير تنمويا، اقتصاديا، و اجتماعيا؛ نحو الأفضل بإذن الله.. 

وأقول لمن يستنكر فرحة أي مواطنة سعودية بالتحديد، وبدأ يتخذ من القرار سخرية على نساء البلد. أولا: القرار اختياريا ولن تجبر على مالا تريده.. ثانيا: لا تكن أنانيا. إن كنت خادما جيدا لنساء بيتك، تذكر أن هناك نساء يقطعن مسافات طويلة للبحث عن لقمة عيش لهن ولأسرهن، وجزء من الراتب الشهري  يذهب لسائق جشع، وربما لزوج أكثر جشعا! ليذهب كل هذا التعب هباء منثورا! ثالثا: إن كنت ترى القضية لا تستحق كل هذه الفرحة، فأنت لم تجرب من قبل أن تكون سجينا محبطا مصاب بالخيبات محاطا بطموحك لا تعرف ما تصنع به. القضية ليست مجرد قيادة مركبة، بل أبعد من ذلك بكثير. و لن يفهمها إلا من تجاوز نفسه وارتدى حذاء غيره!

في الواقع استوقفتني الضجة التي لا تزال مستمرة في مواقع التواصل الاجتماعي واستحضرت تاريخا قديما مشابها. عندما دخلت التلفزيونات البيوت السعودية في عام ١٣٨٦هـ، حيث ظهرت نوال بخش كأول امرأة سعودية على الشاشة. وحارب مجموعة من السعوديين وجود التلفزيونات في البيوت وحدثت بعض الهجمات الإرهابية ضد التلفزيون السعودي. ثم منعت المرأة عموما من الظهور لفترة قصيرة. ثم عادت ودخلت في التقديم، الإعداد، في الفن، وغيره. واعتاد الشعب وكأن شيئا لم يكن. وغيرها من قصص منع أي تغيير في البلد.. 

نعم ندرك جيدا أننا مجتمع محافظ جدا. ولن يتقبل القرار كل أحد لأننا ببساطة شعب تقليدي وعاطفي جدا.. نحارب كل جديد قد يؤثر على العادات والتقاليد، ولا أقول الدين لأن الدين بعيد كل البعد عن هذه القضية بالتحديد. بالرغم أن هناك من يدعي أن أسباب رفضه دينية، وهذا الأمر الذي لا أفهمه أبدا! أقول لو نظرنا للقرار بتجرد تام من عواطفنا وعاداتنا التي لا تسمن ولا تغني من جوع لما حدثت كل هذه الضجة ولما استخدم البعض السخرية للتخفيف من وطء المصاب عليهم.. سنمر بفترة مخاض هذا ما أعرفه وأدركه جيدا. وستنتهي الفترة ويصبح القرار من صالح كل مواطن ومواطنة، وربما سنقول كم لبثنا وكم شقينا! وكما يقال trust the process، ثق بالعملية و لكن ثق بالوقت أكثر.. 

مرة أخرى.. ألف مبارك للجميع. 

دمتم 🙂

مهم إلى حدٍ ما · ثلاثون يوما

يوم #٢٤

..

التسامح قوة وحرية وتصالح ذاتي ووو إلخ.. شعارات نسمعها منذ زمن ولكن هل نعرف حقا ماهو التسامح؟ قمت بسؤال قائمة الأصدقاء لدي في السناب تشات قبل مدة عن التسامح كي نفكر عنه سويا، ربما أجد عند أحدهم تعريفا واضحا له.. بلا مبالغة لم يجبني أحد على الإطلاق وعندما كررت السؤال أكثر من شخص أخبرني أنه حقا لا يعرف ولم يفكر في الأمر من قبل!

 لا أخفيكم أني عندما أسمع بالتسامح أعتبره هراء. على الأقل بالنسبة لي لأني شخصية حساسة. ودائما ما أتجنب العلاقات العميقة مع الآخرين كي لا أَجرح ولا أُجرح. وعلاقاتي في الواقع محدودة جدا لنفس السبب.

لذا أجدني حقا حائرة في مفهوم هذا المبدأ. قد نستطيع تعريفه بعدة كلمات، ولكن يبقى التعريف غير دقيق لأنه يبنى على اعتبارات شخصية.

الذي يهم حقا ويصنع الحيرة أكثر هو كيف يحدث التسامح؟ وكيف يحقق الإنسان هذا المبدأ فعلا وقولا؟ وكيف يشعر بمعناه العميق في نفسه وروحه؟ وكيف يجد أثره على حياته وعلى علاقاته بمن حوله؟

عندما فكرت إلى هذه الدرجة من العمق وجدت الأمر ليس بسيطا ولا يمكن تحقيقه بسهولة شعاراته. ولعلي أدركت أن القوة لا تحصل إلا بعد الشدة والألم. والحريّة لا تتحقق إلا بعد إطلاق كل المشاعر والمخاوف العالقة في أرواحنا. والتصالح مع الذات يبدأ عندما نتصالح مع غيرنا. هنا يحدث التسامح.. ولكن! هناك مشكلة حقيقية. أتعلمون ما المشكلة؟ عندما تكون أنت المخطيء في حق غيرك. حق غيرك الذي ربما لا تراه واجبا عليك ولكنه هو كذلك بالنسبة لهم. حق غيرك الذي يسلب سعادتك بشكل أو بآخر. أليس الموضوع أكثر تعقيدا وصعوبة؟ أتساءل كيف يمكن أن يتحقق التسامح في حالة كهذه؟ هل التسامح تنازل بالضرورة؟ أعترف أني لا أملك جوابا صريحا في هذه اللحظة. وأني كلما تعمقت أكثر بالمسألة كلما زاد شغفي أن أعرف أكثر.

سأختصر هذه التدوينة بنقاط قد تفيدك في رحلة تسامحك:

– التسامح مع الآخرين لا يمكن أن يحدث إذا أنت لم تسامح نفسك على أخطاءها. والخطأ يجب أن يتحرر من موضعه بالاعتراف به أولا.

– الحياة أوسع من مجرد أخطاء قمت بها، فلا تحمّل نفسك فوق طاقتها.

– نسيان الخطأ حق، وتذكر الدرس واجب.

– تذكر دائما، أن الماضي رحل ولن يعود، وأنت إبن اليوم وعليك أن تعيشه كما ينبغي.

– من الخطأ أن يتظاهر الإنسان بالقوة والسعادة وقلبه محطم من الداخل. ومن الخطأ الاستسلام في الوقت نفسه. الصحيح المواجهة والتعايش فما بعد الألم إلا الشفاء.

سيكون للحديث بقية..

شكرا!

مهم إلى حدٍ ما

إنني أتحرر، إنني أصبح إنسانا!

IMG_7118

..

أعلم يقينا أني أتغيّر كل يوم، وإذا مرّ يوم واحد ولم أتغيّر فأنا حتما في حالة توقف عن الحياة!

الحوارات التي تحدث بيننا وبين الآخرين كفيلة بالتغيير. النظرات التي نتبادلها مع الغرباء كفيلة بالتغيير.

المشردون في الشوارع يغيّروننا.. العنصرية تغيرنا.. الحب يغيرنا.. الكره يغيرنا.. الخوف.. الحلم.. النجاح.. الفشل.. حتى لقمة العيش اليومية تغيّرنا.. الحياة برمتها تغيرنا!

نحن نتغير وهذا الأمر طبيعي جدا وأبدأ فيه مقالتي اليوم كتذكير لأولئك الخائفون من التغيير المجمدّون لأرواحهم وحياتهم خشية من حدوث شيء ما! ولمَ لا؟ دع التغيير يقتحم حياتك لن يحدث ما تخشاه فعقلك لا يزال في موضعه وأنت وحدك من يختار ويقرر ما يشاء..

اليوم أثناء تناول قهوتي كنت أفكر إلى أي مدى تغيرت؟ وهل أنا ذات الشخص قبل سنتين على الأقل؟  مالذي حدث في حياتي وصنع تغيّرا في طريقة تفكيري وطريقة التعاطي مع بعض شؤون الحياة ومع الأحداث المعاصرة في محيطي وفي العالم؟

حسنا سأجيب عن هذه الأسئلة بالترتيب. أولا؛ أعتقد أني تغيرت إلى أبعد مدى. إلى ذلك المدى الذي كنتُ أخشاه في فترة من فترات حياتي. تغيرّت إلى درجة أصبح الشك هو أسلوب حياة! عدم الثقة فيما يحدث وفيما سيحدث.. فيما قيل وفيما سيقال. أصبحت مؤمنة بالشك أكثر من أي شيء آخر… أصبحت متصالحة مع شكوكي حدّ اليقين.

لا أستطيع أن أصدق هذا أو ذاك.. ولا أن أكذب هذا أو ذاك.. أقرب إلى الحياد من أي شيء آخر.. وكل العالم صديقي! نعم صديقي.. لا عدواة بيني وبين أي أحد.. وإن كانت شكوكي مزعجة لغيري أحيانا لكن هذا ما لا أستطيع تغييره على الأقل في الوقت الراهن! العالم اليوم أصبح مجنونا لدرجة مؤذية لذلك وجدت من الشك والتشكك طريقا لعدم الاكتراث بأي شيء والانشغال فقط بما ينفع!

كيف وصلت لهذه المرحلة؟ أعترف لكم أن دراستي هي السبب.. وممتنة جدا لحدوث مثل هذا التغيير بسبب دراستي.. درست خلال الفصل السابق مادة اسمها “Multicultural counseling” تناولت هذه المادة ثقافات مختلفة وكل أزمة تعيشها ثقافة أو طائفة من الناس، المسلمين، المثليين، البيض، السود، اللاتينيين، الآسيويين.. وغيرهم. هذه المادة غيّرتني بشكل لم أكن أتصوره.. كنت في كل مرة أقرأ كتاب المادة، أجلس أياما أفكر فيما قرأت.. الكاتب لم ينقل فقط معلومات بل نقل إلينا قلوبًا نابضة في أنحاء متفرقة في العالم تريد أن تعيش بسلام وحب وكرامة..

لم تكن المادة محصورة على هذا الكتاب بل كنا نشاهد أفلاما وثائقية عن بعض الأعراق والقضايا المعاصرة. هذه الأفلام جعلتني أفكر بطريقة لم أعهدها، منحتني أداة جديدة في التثبت من أي معلومة يطرحها الإعلام أو أي أحد.. جعلتني حذرة جدا وحرّة جدا.

باختصار إنني بدأت أتحرر إنني أصبح إنسانا كما يقول -زوربا-

أخيرا، ولست هنا في موضع الناصح الأمين، ولكن أقولها بملئ فمي تغيروا.. اسمحوا لرياح التغيير أن تعبر قلوبكم وأرواحكم وأن تعبث بها.. تغيروا كي تعيشوا!